ويقال: إنها دخلت على مروان بن الحكم فقال: ويحك يا ليلى! أكما نعتّ توبة كان؟ قالت: أصلح الله الأمير! والله ما قلت إلّا حقّا، ولقد قصرت، وما رأيت رجلا قطّ كان أربط على الموت جأشا، ولا أقلّ انحياشا حين تحتدم براكاء الحرب [1] ، ويحمى الوطيس بالطّعن والضرب، كان والله كما قلت: [الطويل]
فتى لم يزل يزداد خيرا لدن نشا ... إلى أن علاه الشّيب فوق المسايح
تراه إذا ما الموت حلّ بورده ... ضروبا على أقرانه بالصفائح
شجاع لدى الهيجاء ثبت مشايح ... إذا انحاز عن أقرانه كلّ سابح
فعاش حميدا لا ذميما فعاله ... وصولا لقرباه يرى غير كالح
فقال لها مروان: كيف يكون توبة على ما تقولين وكان خاربا؟ «والخارب سارق الإبل خاصة» ، فقالت: والله ما كان خاربا، ولا للموت هائبا، ولكنه كان فتى له جاهلية، ولو طال عمره وأنسأه الموت لارعوى قلبه، ولقضى في حبّ الله نحبه، وأقصر عن لهوه، ولكنه كما قال ابن عمّه مسلمة بن زيد: [الطويل]
فلله قوم غادروا ابن حميّر ... قتيلا صريعا للسيوف البواتر
لقد غادروا حزما وعزما ونائلا ... وصبرا على اليوم العبوس القماطر [2]
إذا هاب ورد الموت كلّ غضنفر ... عظيم الحوايا لبّه غير حاضر
مضى قدما حتى يلاقي ورده ... وجاد بسيب في السنين القواشر [3]
فقال لها مروان: يا ليلى، أعوذ بالله من درك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء، فوالله لقد مات توبة، وإن كان من فتيان العرب وأشدّائهم، ولكنه أدركه الشقاء فهلك على أحوال الجاهلية، وترك لقومه عداوة.
ثم بعث إلى ناس من عقيل فقال: والله لئن بلغني عنكم أمر أكرهه من جهة توبة لأصلبنكم على جذوع النخل، إياكم ودعوى الجاهلية، فإن الله قد جاء بالإسلام، وهدم ذلك كلّه.
وفي معجم البلدان:
هو الذّوب أو أري الضحالي شبته
والأري: العسل. وبيسان: مدينة بالغور الشامي بين حوران وفلسطين. محيط المحيط (أري) ، ومعجم البلدان (ج 1ص 527، مادة: بيسان) .
(1) بركاء الحرب: دوامها. محيط المحيط (برك) .
(2) اليوم القماطر: الشديد. محيط المحيط (قمطر) .
(3) السنين القواشر: المجدبة، كأنها تقشر كل شيء، مفردها قاشرة. محيط المحيط (قشر) .