وروى أبو عبيدة عن محمد بن عمران المرزباني قال: قال أبو عمرو بن العلاء الشيباني: قدمت ليلى الأخيلية على الحجاج بن يوسف وعنده وجوه أصحابه وأشرافهم، فبينا هو جالس معهم إذ أقبلت جارية فأشار إليها وأشارت إليه فلم تلبث أن جاءت جارية من أجمل النساء وأكملهنّ، وأتمهنّ خلقا، وأحسنهنّ محاورة فلمّا دنت منه سلّمت ثم قالت: أتأذن أيها الأمير؟ قال: نعم، فأنشدت [1] : [الطويل]
أحجّاج إن الله أعطاك غاية ... يقصّر عنها من أراد مداها
أحجّاج لا يفلل سلاحك إنما ال ... منايا بكفّ الله حيث يراها
إذا ورد الحجاج أرضا مريضة ... تتبّع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العياء الذي بها ... غلام إذا هزّ القناة ثناها
إذا سمع الحجاج صوت كتيبة ... أعدّ لها قبل النزول قراها
أعدّ لها مصقولة فارسيّة ... بأيدي رجال يحلبون صراها [2]
حتى أتت على آخرها. فقال الحجاج لمن عنده: أتعرفون من هذه؟ قالوا:
ما نعرفها، ولكن ما رأينا امرأة أطلق لسانا منها، ولا أجمل وجها، ولا أحسن لفظا، فمن هي أصلح الله الأمير؟ قال: هي ليلى الأخيلية صاحبة توبة بن الحمير التي يقول فيها [3] :
[الطويل]
ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمت ... عليّ ودوني جندل وصفائح [4]
لسلّمت تسليم البشاشة أو زقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح [5]
ثم قال لها: يا ليلى، أنشدينا بعض ما قاله فيك توبة، فأنشدته [6] : [الطويل]
نأتك بليلى دارها لا تزورها ... وشطّت نواها واستمرّ مريرها
وكنت إذا ما زرت ليلى تبرقعت ... وقد رابني منها الغداة سفورها [7]
(1) الأبيات في الأغاني (ج 11ص 249) ، وأمالي القالي (ج 1ص 87) ، وفوات الوفيات (ج 3 ص 227) ببعض الاختلاف عمّا هنا.
(2) أراد بالمصقولة الفارسية: السيف الذي صقل في بلاد فارس. والصّرى: اللبن المتغيّر الطعم. محيط المحيط (صقل) و (صرى) .
(3) الأبيات في الأغاني (ج 11ص 246) ، وأمالي اقالي (ج 1ص 88) .
(4) في الأغاني: «تربة» بدل «جندل» .
(5) زقا الصّدى: صاح. محيط المحيط (زقا) .
(6) الأغاني (ج 11ص 215214) ، وأمالي القالي (ج 1ص 88) .
(7) تبرقعت: لبست البرقع وهو خريقة تثقب للعينين تلبسها نساء الأعراب فتستر الوجه. محيط المحيط (برقع) .