فهرس الكتاب

الصفحة 866 من 993

ودخلنا غير بعيد في بعض تلك المتنزهات، ومشينا في تلك المتوجّهات، وملكتنا أرض فحللناها، وعمدنا لقداح اللهو فأجلناها، مطّرحين للحشمة، إذ لم يكن فينا إلّا منّا، فما كان إلّا بأسرع من ارتداد الطّرف حتى عنّ لنا سواد، تخفضه وهاد، وترفعه نجاد، وعلمنا أنه يهمّ بنا، فأتلعنا [1] له، حتى انتهى إلينا سيره، ولقينا بتحية الإسلام، ورددنا عليه مقتضى السلام ثم أجال فينا طرفه وقال: يا قوم، ما منكم إلّا من يلحظني شزرا، ويوسعني زجرا، ولا ينبئكم عني، بأصدق مني أنا رجل من أهل الإسكندرية، من الثغور الأموية، وقد وطّأ لي الفضل كنفه، ورحبت بي عبس، ونماني بيت، ثم جعجع بي الدهر عن ثمّة ورمّه [2] ، وأتلاني زغاليل حمر الحواصل [3] : [الرجز]

كأنهم حيّات أرض محلة ... فلو يعضّون لذكّى سمّهم

إذا نزلنا أرسلوني كاسبا ... وإن رحلنا ركبوني كلّهم

ونشزت علينا البيض [4] ، وشمست منا الصّفر [5] ، وأكلتنا السّود [6] ، وحطمتنا الحمر [7] ، وانتابنا أبو مالك [8] ، فما تلقّانا أبو جابر إلّا عن عفر [9] ، وهذه البصرة ماؤها هضوم، وفقيرها مهضوم، والمرء من ضرسه في شغل، ومن نفسه في كلّ، فكيف بمن:

[الوافر]

يطوّف ما يطوّف ثم يأوي ... إلى زغب محدّدة العيون

كساهنّ البلى شعثا فتمسي ... جياع الناس ضامرة العيون

ولقد أصبحن اليوم وقد سرّحن الطّرف في حيّ كميت، وفي بيت كلا بيت، وقلبن

(1) أتلعنا له: أخرجنا رؤوسنا عمّا كنّا فيه ومددنا أعناقنا. محيط المحيط (تلع) .

(2) ثمّة ورمّه: جيده ورديئه. محيط المحيط (ثمم) .

(3) أتلاني: أتبعني. الزغاليل: جمع زغلول وهو الطفل. وقوله: حمر الحواصل: يريد أنهم صغار.

لسان العرب (تلا) و (زغل) .

(4) البيض: جمع أبيض وهو الفضة، والمراد الدراهم لأنها من فضّة. محيط المحيط (بيض) .

(5) الصّفر: الذهب، والمراد الدنانير لأنها من ذهب. والشماس والنشوز: بمعنى واحد وهو التفرّق.

محيط المحيط (صفر) و (شمس) و (نشز) .

(6) السّود: جمع سوداء، والمراد الليالي السّود. محيط المحيط (سود) .

(7) الحمر: جمع حمراء وهي السنة الشديدة. محيط المحيط (حمر) .

(8) أبو مالك: الجوع. محيط المحيط (ملك) .

(9) أبو جابر: الخبز. العفر: الحين، أي: ليس الخبز بمتناول أيدينا كل حين. محيط المحيط (جبر) و (عفر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت