فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 993

مثلها والموعد لله تعالى! قال الربيع: فما رأيت المنصور قطّ أكثر انكسارا منه حين أبلغته الرسالة.

أخذ العباس بن الأحنف [1] هذا المعنى، وقيل: عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير [2] ، فقال: [الطويل]

فإن تلحظي حالي وحالك مرّة ... بنظرة عين عن هوى النفس تحجب

تجد كلّ يوم مرّ من بؤس عيشتي ... يمرّ بيوم من نعيمك يحسب

ولما قتل المنصور محمد بن عبد الله اعترضته امرأة معها صبيان، فقالت: يا أمير المؤمنين، أنا امرأة محمد بن عبد الله، وهذان ابناه، أيتمهما سيفك، وأضرعهما خوفك [3] ، فناشدتك الله، يا أمير المؤمنين، أن تصعّر لهما خدّك، أو ينأى عنهما رفدك [4] ولتعطفك عليهما شوابك النسب، وأواصر الرّحم [5] ، فالتفت إلى الربيع، فقال: اردد عليهما ضياع أبيهما، ثم قال: كذا والله أحبّ أن تكون نساء بني هاشم.

وكان أهل المدينة لما ظهر محمد أجمعوا على حرب المنصور، ونصر محمد فلما ظفر المنصور أحضر جعفر بن محمد بن علي بن الحسين الصادق، فقال له: قد رأيت إطباق أهل المدينة على حربي، وقد رأيت أن أبعث إليهم من يغوّر عيونهم [6] ، ويجمّر نخلهم [7] . فقال له جعفر: يا أمير المؤمنين، إنّ سليمان أعطي فشكر، وإنّ أيوب ابتلي فصبر، وإنّ يوسف قدر فغفر فاقتد بأيّهم شئت، وقد جعلك الله من نسل الذين يعفون ويصفحون، فقال أبو جعفر: إنّ أحدا لا يعلّمنا الحلم، ولا يعرّفنا العلم، وإنما قلت هممت، ولم ترني فعلت وإنك لتعلم أن قدرتي عليهم تمنعني من الإساءة إليهم.

(1) العباس بن الأحنف: شاعر غزل رقيق. نشأ ببغداد وبها توفي سنة 192هـ. ترجمته في وفيات الأعيان (ج 3ص 20) ومعاهد التنصيص (ج 1ص 54) والشعر والشعراء (ص 707) والأغاني (ج 8ص 366) وتاريخ بغداد (ج 12ص 127) ومعجم الأدباء (ج 3ص 439) والبداية والنهاية (ج 10ص 209) والأعلام (ج 3ص 259) .

(2) عمارة بن عقيل: شاعر فصيح، من أهل اليمامة. توفي سنة 239هـ. ترجمته في معجم الشعراء (ص 247) وتاريخ بغداد (ج 12ص 282) والأعلام (ج 5ص 37) .

(3) أضرعه: أذلّه. لسان العرب (ضرع) .

(4) الرّفد: العطاء. لسان العرب (رفد) .

(5) الشوابك: الروابط، وكذلك: الأواصر. لسان العرب (شبك) و (أصر) .

(6) يغوّر عيونهم: يطمسها ويذهب ماءها. لسان العرب (غور) .

(7) جمّر النخلة: قطع جمارها. لسان العرب (جمر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت