فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 993

وعزّى جعفر بن محمد رجلا، فقال: أعظم بنعمة في مصيبة جلبت أجرا وأفظع بمصيبة في نعمة أكسبت كفرا.

هذا كقول الطائي [1] : [البسيط]

قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلي الله بعض القوم بالنّعم

وكان جعفر بن محمد يقول: إنّي لأملق أحيانا فأتاجر الله بالصدقة فيربحني.

وقال جعفر، رضي الله عنه: من تخلّق بالخلق الجميل وله خلق سوء أصيل فتخلّقه لامحالة زائل، وهو إلى خلقه الأوّل آيل، كطلي الذهب على النحاس ينسحق وتظهر صفرته للناس.

هذا كقول العرجي: [البسيط]

يا أيّها المتحلّي غير شيمته ... ومن خلائقه الإقصار والملق [2]

ارجع إلى خلقك المعروف وارض به ... إنّ التخلّق يأتي دونه الخلق [3]

وكان يقول: ما توسّل إليّ أحد بوسيلة هي أقرب إليّ من يد سبقت مني إليه أتبعها أختها لتحسن ربّها [4] وحفظها لأنّ منع الأواخر يقطع لسان الأوائل.

وقيل لجعفر رحمه الله: إنّ أبا جعفر المنصور لا يلبس مذ صارت إليه الخلافة إلا الخشن، ولا يأكل إلا الجشب [5] . فقال: يا ويحه! مع ما مكّن له من السلطان، وجبي إليه من الخراج! قالوا: إنما يفعل ذلك بخلا وجمعا للمال. فقال: الحمد لله الذي حرمه من دنياه ما ترك له من دينه. انتهى.

قال: ومن دعاء جعفر رضي الله عنه: اللهمّ إنك بما أنت أهل له من العفو أولى بما أنا أهل له من العقوبة.

وكان عبد الله [بن معاوية بن عبد الله] بن جعفر عالما، ناسبا، وكان خطيبا مفوّها، وشاعرا مجيدا، وكتب إلى بعض إخوانه:

أما بعد، فقد عاقني الشكّ في أمرك عن عزيمة الرّأي فيك، وذلك أنك ابتدأتني

(1) ديوان أبي تمام (ص 279) .

(2) الإقصار: القصور والضعف. الملق: إظهار الودّ ذلّة وخضوعا. لسان العرب (قصر) و (ملق) .

(3) التخلّق: التكلّف بما ليس في الفطرة، والخلق: السجية والطبع. لسان العرب (خلق) .

(4) ربّ الشيء: أصلحه. لسان العرب (ريب) .

(5) الجشب: الطعام الذي لا إدام فيه. لسان العرب (جشب) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت