لقد هدّم العلياء موتك جانبا ... وكان قديما ركنها لا يهدّم
قال الأصمعي: سمعت أعرابيا يذكر قومه فقال: كانوا إذا اصطفّوا تحت القتام [1] ، مطرت بينهم السّهام، بشؤبوب [2] الحمام، وإذا تصافحوا بالسيوف، فغرت أفواهها الحتوف [3] ، فربّ قرن [4] عارم قد أحسنوا أدبه، وحرب عبوس قد أضحكتها أسنّتهم، وخطب مشمئزّ ذلّلوا مناكبه، ويوم عماس [5] قد كشفوا ظلمته بالصبر حتى تتجلّى. كانوا البحر لا ينكش غماره، ولا ينهنه تيّاره [6] .
قال العتبي: سئل أعرابي عن حاله [عند موته] فقال: أجدني مأخوذا بالنّقلة، محجوجا بالمهلة، أفارق ما جمعت، وأقدم على ما ضيّعت، فيا حيائي من كريم قدّم المعذرة، وأطال النّظرة [7] ، إن لم يتداركني بالمغفرة، ثم قضى.
وقال بعض الرواة: كان يقال: الإخوان ثلاثة أخ يخلص لك ودّه، ويبلغ لك في مهمّك جهده، وأخ ذو نيّة يقتصر بك على حسن نيته، دون رفده [8] ومعونته، وأخ يجاملك بلسانه، ويشتغل عنك بشأنه، ويوسعك من كذبه بأيمانه.
قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: وقفت علينا أعرابية فقالت: يا قوم، تعثر بنا الدهر، إذ قلّ منّا الشكر، وفارقنا الغنى، وحالفنا الفقر، فرحم الله امرأ فهم بعقل، وأعطى من فضل، وواسى من كفاف، وأعان على عفاف.
قال أبو بكر الحنفى: حضرت مسجد الجماعة بالكوفة، وقام سائل يتكلّم عند صلاة
(1) القتام، بالفتح: الغبار الأسود. محيط المحيط (قتم) .
(2) الشّؤبوب: الدفعة من المطر. محيط المحيط (شأبب) .
(3) الحتوف: جمع حتف وهو الموت. محيط المحيط (حتف) .
(4) القرن، بكسر القاف وسكون الراء: من يقاومك ونظيرك في الشجاعة. محيط المحيط (قرن) .
(5) يوم عماس: شديد. محيط المحيط (عمس) .
(6) الغمار، بكسر الغين: جمع غمر وهو معظم البحر. ينهنه تيّاره: يكفّ ويمنع. محيط المحيط (غمر) و (نهنه) .
(7) النّظرة: التأخير والإمهال في الأمر. محيط المحيط (نظر) .
(8) الرّفد، بكسر الراء وسكون الفاء: العطاء. محيط المحيط (رفد) .