الظهر ثم عند العصر والمغرب، فلم يعط شيئا، فقال: اللهمّ إنك بحاجتي عالم غير معلّم، واسع غير مكلّف، وأنت الذي لا يرزؤك نائل، ولا يحفيك [1] سائل، ولا يبلغ مدحتك قائل، أنت كما قال المثنون، وفوق ما يقولون، أسألك صبرا جميلا، وفرجا قريبا، ونصرا بالهدى، وقرّة عين فيما تحبّ وترضى، ثم ولّى لينصرف، فابتدره الناس يعطونه، فلم يأخذ شيئا، ثم مضى وهو يقول: [الكامل]
ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله ... عوضا، ولو نال الغنى بسؤال
وإذا السؤال مع النوال وزنته ... رجح السؤال وخفّ كلّ نوال
ومن مقامات الإسكندري إنشاء البديع: حدّثنا عيسى بن هشام قال: كنت في بلاد الأهواز، وقصاراي لفظة شرود أصيدها، أو كلمة بليغة أستفيدها فأدّاني السير إلى رقعة [من البلاد] فسيحة، وإذا هناك قوم مجتمعون على رجل يستمعون إليه وهو يخبط الأرض بعصا على إيقاع لا يختلف، وعلمت أنّ مع الإيقاع لحنا، ولم أبعد لأنال من السماع حظّا، أو أسمع من البليغ لفظا، فما زلت بالنظّارة [2] ، أزحم هذا وأدفع ذاك، حتى وصلت إلى الرجل، وصرفت الطرف منه إلى حزقّة كالقرنب [3] ، مكفوف في شملة من صوف، يدور كالخذروف [4] ، متبرنسا بأطول منه، معتمدا على عصا فيها جلاجل، يضرب الأرض بها على إيقاع غنج، ولفظ هزج، من صدر حرج، وهو يقول: [الرجز]
يا قوم قد أثقل ديني ظهري ... وطالبتني طلّتي بالمهر [5]
أصبحت من بعد غنى ووفر ... ساكن قفر وحليف فقر
يا قوم هل بينكم من حرّ ... يعينني على صروف الدهر؟
يا قوم قد عيل بفقري صبري ... وانكشفت عني ذيول السّتر
(1) يحفيك: يلحّ عليك ويبرّح في الإلحاح. محيط المحيط (حفا) .
(2) النّظّارة: القوم ينظرون إلى الشيء، أو القوم الذين يقعدون في مرتفع من الأرض ينظرون منه القتال ولا يشهدونه. محيط المحيط (نظر) .
(3) الحزقّة: القصير الذي إذا مشى أدار أليته. القرنب، بفتح القاف والنون وسكون الراء: اليربوع أو الفارة. محيط المحيط (حزق) و (قرنب) .
(4) الخذروف، بضم الخاء والراء وسكون الذال: شيء يدوّره الصبيّ بخيط في يديه فيسمع له دويّ.
محيط المحيط (خذرف) .
(5) الطّلّة: الزوجة. محيط المحيط (طلل) .