فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 1221

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 1، ص: 204

قال: وقال أبو عثمان حاتم بن عثمان المعافري: كنت عند عبد الرحمن بن أنعم وهو يتنفّس الصّعداء، والكآبة ظاهرة عليه حتّى أتاه شابّ ومعه مخلاة فيها بصل فأسرّ إليه كلاما فأسفر وجهه وتبسّم فقال لغلامه: جئنا بالفول الّذي طبختموه لنا البارحة فجاء به فقال: أقرب يا أبا عثمان، فقلت: لا، فقال: ولم أظننت ظنّا؟

قلت: نعم، فقال: أحسنت يا أبا عثمان، إذا رأيت الهديّة دخلت دار القاضي (1) ، فاعلم أن الأمانة قد خرجت من كوى (2) الدّار ليس هو هدية، إنما هو مولاي أتى بهذا البصل من ضيعتي، فقلت له: إنّي رأيتك مغموما، فلما أتاك غلامك هذا، تطلّقت وتبسّمت وأسفر وجهك فقال: إني أصبحت فذكرت بعد عهدي بالمصائب، فخفت أن أكون قد سقطت من عين اللّه عزّ وجل، فلما أتاني هذا الغلام، ذكر لي أن أكفي عبيدي وأقومهم بضيعتي قد توفي، فزال عنّي بعض الغم واسترحت. ولم يزل عبد الرحمن قاضيا على القيروان أيام محمد بن الأشعث والأغلب بن سالم، وعمرو بن حفص وصدرا من إمارة يزيد بن حاتم، فعزل نفسه. وكان سبب ذلك فيما رواه سليمان بن عمران القاضي: أنّ امرأة كانت تدخل على نساء يزيد بن حاتم وكانت لها خصومة عند القاضي، فكتب لها كتاب حكم، وختم عليه وأعطاها إياه فأخذته ودخلت به دار يزيد، فقال لها يزيد: ما هذا؟ فأعلمته فأخذه وفضّ خاتمه، فصاحت المرأة فقال لها: لا عليك أنا أبعثه إليك مختتما فلما بعث إليه قال: لا أختمه حتى تعيد البينة فبعث إليه مرة أخرى فقال: لا أفعل فلما ولّى رسول يزيد، أخذ عبد الرحمن خاتمه فكسره وقال: واللّه لا حكمت بين اثنين أبدا.

قلت: قال المالكي: ولما جرى له مع يزيد بن حاتم (3) ما جرى، ترك القضاء ورحل إلى تونس ولم يزل معظّما في صدور الناس، رفيع القدر عندهم حتى توفي رحمه اللّه تعالى ورضي عنه.

قال: وتكلم النّاس في نقله الأحاديث، فقال سحنون بن سعيد عبد الرحمن ثقة. وقال أبو عيسى الترمذي هو مقارب الحديث. وكان يقوّي أمره. وقال أبو

(1) في الرياض: من باب الدار 1/ 158.

(2) في الرياض: كوة 1/ 158.

(3) اسم حاتم سقط من: ت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت