معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 2، ص: 24
أو إلّا في مسألة، أو مسألتين، فهذا لا يجوز، لأنه تضييع لأحكام المسلمين في مدّة قضائه، وهي تسعة أشهر، وقد تعيّن عليه ذلك. وكيف يفتخر به زيادة اللّه؟ وإنما يفتخر إذا أنجز الأحكام الواقعة بين الخاصة والعامّة وسوّى بينهم فيها، كما هو ظاهر فيما يأتي في قضيّة علي بن حميد قال: وروي أن أبا سنان زيد بن سنان الأسدي، شهد عند أحمد بن أبي محرز، فردّ شهادته وقال: إنما رددت (1) شهادتك لأنّك زكّيت من لا تعرفه. وذلك أن الأمير زيادة اللّه سأل أبا سنان عن أحمد بن أبي محرز فزكّاه فتغير عليه أحمد.
قلت: رأى أحمد رحمه اللّه تعالى أنه لم يعرفه لكونه لم يعاشره وإنما يعرفه من بعد، ولو عاشره واطّلع على أحواله لما زكّاه فهو زكّى من لا يعرف. ولا يقال إنّما هذا منه على طريق الورع، لأنّ فيه إسقاط حق مسلم، وهو من شهد له.
و الورع إنما هو في غير هذا.
قال: وذكر في مجلس أحمد بن أبي محرز، أن عمر بن عبد العزيز عرض على إبراهيم بن أبي عبلة أن يوليه القضاء، فامتنع من ذلك إبراهيم، فشدد عليه عمر فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين بيني وبينك كتاب اللّه عزّ وجل، قال: وما هو؟ قال:
قال اللّه عزّ وجل: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها (2) [الأحزاب: 72] فلم يكرهها اللّه عزّ وجل على حملها ولا عنّفها (3) إذ أشفقت منها فبكى أحمد بن أبي محرز عند ذلك بكاء شديدا (4) منه ولم ينتفع به باقي نهاره (5) . وحكى محمد بن زرقون أن رجلا تخاصم مع الأبزاري عند أحمد ابن أبي محرز فجفى عليه فأمر بأدبه فلما كان في تلك الليلة راجع أحمد بن أبي محرز نفسه في أمر الأبزاري ليتحلّل منه، فوجده قد رحل إلى الحجّ، فلحقه إلى مدينة قلشانة (6) ، فسأله (7) أن يحلّله فحلّله ثم رجع فلما سار في بعض الطّريق قال لنفسه:
(1) في ت وط: رديت. والصواب ما أثبتناه.
(2) وفي نسخة ت، زيادة: «و حملها الإنسان» .
(3) في الرياض: ولا عتب 1/ 400.
(4) في الرياض: «عظيما حتى انصرف الناس» 1/ 400.
(5) في الرياض: يومه ذلك 1/ 400.
(6) قلشانة: بينها وبين القيروان اثنا عشر ميلا. انظر الروض المعطار ص: 466.
(7) في الرياض: فاجتمع معه فسأله 1/ 399.