فهرس الكتاب
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 2، ص: 44
عند ابن القاسم وجوابات مالك ترد عليه فقيل لي: ما يمنعك من السّماع منه؟ قال:
قلّة الدراهم. وقال مرة أخرى: أبحى (1) اللّه الفقر فلولاه لأدركت مالكا، قال عياض: فإن صحّ هذا فله رحلتان وإن لا، فما قاله ابنه أصح، فإنه سمع ممن مات قبل ثمان وثمانين من المدنيين، كابن نافع توفي سنة ست ومائتين.
قلت: وما ذكر من أنه أول من أظهر علم أهل المدينة لا يقال فيه نظر، لسبقية علي بن زياد بذلك، والبهلول بن راشد وغيرهم لما يذكر بعد.
قال: ولما ارتحل لعلي المذكور كتب البهلول بن راشد لعلي بن زياد: إنّ سحنون بن سعيد ممن يطلب العلم للّه عزّ وجل، فكان علي يسير إلى منزل سحنون حيث كان نازلا فيسمعه فيه ويقول: إن أخي البهلول كتب إليّ فيه؛ إنّه إنما يطلب العلم للّه عزّ وجل.
قلت: وذكر سحنون له مسائل اختلف فيها هو والبهلول وبسطها له، فقال له:
الصّواب معك واكتب له بذلك عني.
ذكر ثناء العلماء عليه
قال: كان سحنون قد اجتمعت فيه خصال قلّ ما اجتمعت في غيره، منها الفقه البارع، والورع الصّادق، والصّرامة في الحق، والزّهد (2) في الدنيا، والتّخشّن في الملبس والمطعم، والسماحة. ولا يقبل من أحد شيئا، سلطانا كان أو غيره، ولا يهاب سلطانا في حق يقوله، سالم الصّدر للمؤمنين شديدا على أهل البدع، انتشرت إمامته، وأجمع أهل عصره على تقدمه وفضله (3) .
قلت: ما ذكره من قوله كان سحنون إلى قوله أو غيره، هو قول محمد بن أحمد بن تميم في كتابه. وقال أبو بكر المالكي: وكان مع هذا رقيق القلب، غزير الدمعة، ظاهر الخشوع، متواضعا قليل التصنع كريم الأخلاق، حسن الأدب وذكر ما تقدم من كونه لا يهاب سلطانا إلى آخر ما ذكر، وسئل أشهب من قدم إليكم من المغرب؟ قال: سحنون قيل له: فأسد؟ قال سحنون: واللّه أفقه منه بتسعة وتسعين مرة. وقال أشهب: ما قدم إلينا من المغرب مثله. وقال ابن القاسم لابن راشد: قل
(1) أبحى: بمعنى قطع.
(2) في الرياض: الزهادة 1/ 345.
(3) انظر الرياض: 1/ 345 - 346.