معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 2، ص: 121
و من تاه تهت بمن لا يدل ... به من أعزّ ولا من أسادا
و لم (1) أر عيشا كعيش القنوع ... ولم أر مثل التّقى لي مزادا
و هذا والذي قبله كلّ من قصيدة طويلة، وقد أكثروا في النّقل من شعره رحمه اللّه تعالى.
قال: ونحن نذكر من أخباره جملة من ذلك ما روي أن رجلا حائكا صحب أبا عقال بمكة، وكان من الصّالحين فقال يوما لأبي عقال أحبّ أن تقضي لي حاجة، قال: وما هي؟ قال: أضمن لي قضاءها وأنا أخبرك بها، فلم يزل يستوثق منه حتى وثق به، فقال: إن كان لك شهوة فعرّفني بها فقال: أشتهي آكل رأسا مشويّا قال: أنا لك به، فانطلق إلى الروّاس، وقال: تخيّر لي رأسين من أطيب ما يكون ففعل ولفّهما في رقاق وأوصلهما إلى بيت أبي عقال، فلمّا كان من الغد أتاه، وقال له: يا أبا عقال هل طاب لك الرّأسان؟ قال: لا، قال: ولم؟ قال: كشفت عنهما فوجدتهما محشوّين دودا ليس فيهما لحم البتّة فقال الحائك للرواس: أ ما استحييت تعطيني ما لا فائدة فيه؟ وذكر له ما قال أبو عقال. فحلف الروّاس ما ترك عنده مثلهما، ثم أطرق متعجّبا فقال: ما الخبر؟ قال: هما واللّه من غنم كان انتهبها بعض العمّال. ثم أخرج رأسين دونهما فقال: خذ هذين بدون الثمن، لكنهما من غير تلك الغنم فأخذتهما ثم قال لي الروّاس: واللّه ما ظننت أحدا في زماننا يحمى عن الحرام هذه الحماية قال: فانطلقت مسرعا إلى أبي عقال، فأخرجت الرّأسين فأكلهما واستطابهما فضحك الحائك وتبسّم فقال له أبو عقال: ما شأنك؟ فأخبره الخبر فاستعبر أبو عقال، ورفع طرفه إلى السّماء، وقال: إلهي! بلغ عندك عبدك أبو عقال إلى منزلة تحميه طعاما حراما لك علي عهد أن لا آكل طعاما بشهوة حتى ألقاك.
و روى أبو العرب بن تميم قال: كان أبو عقال كثيرا ما يأتي هذا المسجد يأوي إليه يعني مسجد الزاقول الذي عند دار أبي الحسن الزعفراني بالقيروان، فنزل بأبي هارون الأندلسي أضياف ولم يكن عنده في الوقت ما يشترى به طعاما، فدخل عليه أبو عقال فذكر له ذلك، فخرج أبو عقال مغموما بهم فأتى إلى هذا المسجد فنام فيه اغتماما بهم وتوكّلا على اللّه في أمرهم، إذ وقف به إنسان فأيقظه ثم قال له: هاك،
(1) في الرياض: فلم 1/ 540.