فهرس الكتاب
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 2، ص: 150
علينا جبلة في غلالة وسراويل ومنديل، كأنّ ثيابه أكلها الجراد فقوّم بعض الطّلبة جميع ما عليه بثلاثة أرباع درهم (1) . وقال أبو بكر بن أبي عقبة: ما أوقد جبلة نارا أربعين سنة، إنما كان له دقيق شعير، إذا كان عند إفطاره أخذ قبضة فحرّكها في قدح بماء فأفطر عليها وكبّر للصلاة فهو راكع وساجد حتى ينادي بالفجر.
قلت (2) : رواه التّجيبي عن أبي بكر المذكور، وظاهره أنّه كان لا يقد في بيته نارا البتّة لا مصباحا، ولا غيره، لقوله: إنما كان له دقيق إلى آخره، وهكذا كان زهد خواص الصّالحين.
ذكر قيامه بالحق ولا يبالي
كان رحمه اللّه لا تأخذه في اللّه تعالى لومة لائم، ولما دخل عبيد اللّه الشيعي إفريقية ونزل رقادة ترك جبلة سكنى الرباط، ونزل القيروان فكلم في ذلك، فقال:
كنّا نحرس عدوّا بيننا وبينه البحر، والآن حلّ هذا العدوّ بساحتنا وهو أشدّ علينا من ذلك، فكان إذا أصبح وصلّى الصّبح خرج إلى طرف القيروان من ناحية رقادة معه سيفه وترسه وفرسه، وسهامه، وجلس محاذيا لرقادة إلى غروب الشمس ثم يرجع إلى داره ويقول: أحرس عورات المسلمين منهم، فإن رأيت شيئا حرّكت المسلمين عليهم. وكان ينكر على من يخرج من القيروان إلى سوسة ونحوها من الثّغور، ويقول: جهاد هؤلاء أفضل من جهاد الشّرك. قال المالكيّ: «و لم يكن في وقته رحمه اللّه أكثر اجتهادا منه في مجاهدة عبيد اللّه وشيعته (3) ، فسلّمه اللّه عزّ وجل منهم (4) . وإنما سلك أبو إسحاق السّبائي في بعض من ذكر طريق جبلة بن حمّود (5) .
قال: واتصل به أنّ بعض أهل القيروان خرجوا ليلتقوا عبيد اللّه الشيعي تقيّة من شرّه، ومداراة (6) له، فقال جبلة: اللّهمّ لا تسلّم من خرج يسلّم عليه، واغتمّ لذلك غمّا شديدا فلما انتهوا إلى وادي أبي كريب جرّدوا وأخذت ثيابهم، فلما
(1) لم يرد هذا الكلام في كتاب طبقات أبي العرب. وقد نقله المالكي في كتابه الرياض: 2/ 33.
(2) سقط من: ط، الزيادة من: ت.
(3) في الرياض أمام كلمة وشيعته قوله: «كان لا يداري في ذلك أحدا من الخلق» 2/ 38.
(4) في الرياض: «و حماه من كيدهم ومكرهم» وهي جملة تأتي بعد كلمة، منهم 2/ 38.
(5) الخبر في الرياض: 2/ 38.
(6) في ت وط: ومدراه. وهو تحريف لكلمة مداراة.