فهرس الكتاب

الصفحة 440 من 1221

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 2، ص: 178

المطمر فيه فيعملون منه دشيشا يجوّزون به خبز الشّعير. ووجد بعض الحجّاب في سقيفة حمّاس قطعة فضّة فسأل عنها حمّاسا فقال: ما يملك حمّاس ولا آل حمّاس صفرا ولا بيضا، وإنما يجيئنا شعير قديم من البادية منه، أكلنا وشراء بقلنا وقال أحمد بن نصر: قال لي حماس: لقد كنّا نوجّه الشّعير ليشترى لنا به البقل نطبخه فكسد الشّعير ونفد البقل فصرنا نثرد الشعير بالشعير. وقال أحمد بن نصر: رأيته في يوم جمعة يقوم ويقعد ويختلف، فقلت له: أصلحك اللّه أي شيء خيرك فقال:

عندنا شعيرا أخذته رائحة المطمر (1) ليس يأخذه البقالون نعجن منه دشيشا نثرد فيه من خبزه، ورأيت البارحة خبزا شعيرا أخرج من الفرن، فبكيت وتذكرت في بيوت أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلم ليس فيها شي ء، وأنّهم طالما اشتاقوا إليه، وقد أكلته فأصابني منه اختلاف، فلهذا أقوم وأقعد. ولما توفي حمّاس قال لهم: بيعوا من كتبي ما تكفنوني به (2) . وروي أنه أقام رجل يراعي خرقا في قميص حماس والفرو يظهر منه جمعات كثيرة فقال له الرجل: أصلحك اللّه هذا خيط من أصله كذا ائذن لي أن أخيط لك، قال يا أخي: لهذا الخرق سبع عشر سنة ما ضرنا بشي ء.

قلت: ذكر جميع ذلك التّجيبي وذكر الجمعة قرينة في أنه إنما كان يلبسه يوم الجمعة فقط. فلهذا بقي المدة المذكورة وأراد بقوله من أصله كذا أي من الحلية.

قال: وكان حمّاس من تواضعه وزهده يفتح القناة، ويكسّر الحطب على باب داره والناس حوله يختصمون إليه ويسألونه.

قلت: مثله ذكر التّجيبي، وهذا لما كان التعظيم بالدين، وفي زماننا اليوم لو عمله قاض لازدروه ولم تمش له بعض الأحكام. فالتّواضع للقاضي مطلوب حيث لا يزري بخطة القضاء، وقد فعلت من التواضع ما تأتى لي بجزيرة جربة، لأن ذلك لا يزري بخطة القضاء عندهم لأنهم برابر كالبادية، بخلاف غيرهم كأهل باجّة.

[صون الأئمة والقضاة بالملابس والمراكب من البدع المندوبة]

و قد قال الشيخ شهاب الدين القرافي رحمه اللّه: من البدع المندوب إليها صون الأئمة والقضاة والولاة بالملابس، والمراكب، وهو خلاف ما كانت عليه الصحابة،

(1) المطمر: وهي حفرة يخبّأ فيها البرّ والحبوب تسمى: بالمطمورة عند أهل البادية.

(2) راجع الخبر في الرياض: 2/ 119 - 120.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت