فهرس الكتاب
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 1، ص: 54
و أصحاب النبي له بناة ... ولا عصيان ثمّ، ولا فجور
أقاموا شطر قبلته سويّا ... إلى البيت العتيق فلم يجوروا (1)
فلما دخل إسماعيل بن أبي القاسم بن عبيد اللّه إلى القيروان بعد أن قتل أبا يزيد مخلد بن كيد، إذ طلب أبا القاسم الفزاري هذا. فاختفى أبو القاسم ولجأ إلى الشيخ أبي إسحاق السبائي وذكر ما يخافه على نفسه من القتل، فقال له أبو إسحاق: ما كان قصدك بقصيدتك؟ قال: وجه اللّه تعالى، قال: آللّه؟ قال: نعم، قال: اذهب فإنه لا يلحقك منه مكروه؛ فساروا به إلى إسماعيل فلما مثل بين يديه قال له: أنشدني قصيدتك تلك الرّائية (2) فأنشده إياها فلما فرغ منها حرّضه بعض أشياخه على قتله، فأعرض عنه وأذن له بالانصراف ولم يعرض له بمكروه. وقال علي بن عبد الغني الفهري رحمه اللّه:
ألا سقى اللّه أرض القيروان حيا ... كأنّه عبرات مستهلّات
و كفّ عنها أكف المفسدين لها ... ولا عدتها من الخيرات عادات
فإنها أوجه الأحباب تربتها ... مسكيّة وحصاها جوهريّات
أرض بها الخير مجموع مباركة ... للّه فيها براهين وآيات
حاشا البقاع الثلاث الطيبات فهن (3) ... خير البقاع تصدّقك الشهادات
كم من ولي بها للّه متّقيا ... حياته كلّها نسك وإخبات
و كم إمام هدى في مرتقى ملك ... قد توّجته المعالي والمهابات
قلت: قال العواني: ما ذكر من قوله: فإنها أوجه الأحباب، تربتها مسكية وحصاها جوهريات، مغير اللفظ مختل المعنى، وذلك أنه جعل تربتها كوجوه أحبابه فغيّر اللفظ وأفسد المعنى وإنّما الرواية فيها:
فإنها لذة الجنات تربتها ... مسكيّة حصاؤها جوهريات
فانظر: كيف حسن اللّفظ هاهنا والمعنى حيث شبهها باللذات، فجعل تربتها
(1) القصيدة وردت طويلة في الرياض 2/ 490 - 494 مطلعها:
0@تلفّع في مفارقه القتير
و قوّس غصنه اللّدن النضير
و ليس يؤدب الإنسان شي ء
كتأديب الحوادث إذ تدور
(2) في ت وط: الربانية، والصواب ما أثبتناه.
(3) كلمة «فهن» مستدركة في هامش: ت.