معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 3، ص: 29
لزمك أن تتصدق بمائة دينار من مالك. فقلت: ولم ذلك؟ فقال: لأن هذا الرجل غاصب وماله ينبغي أن يرده إلى من غصبه، فإن لم يعرفه، تصدّق به، فقلت له: ما دليل ذلك؟ قال: جرى في تونس نهب، فأتى رجل إلى السوق يلتمس ثوبا يشبه ما نهب لزوجته، فوجد ثوبا ينادي عليه ليبيعه رجل جندي فاشتراه منه بسبعة دنانير ظانّا أنه ثوب زوجته، فأخذ الجندي الدنانير وخلطها مع دنانيره، ثم مضى الرجل بالثّوب إلى زوجته فقالت: ليس هو ثوبي، فسأل الجندي أن يقيله فيه ففعل وأعطاه سبعة دنانير من خلط الدنانير قال: فأتى الرجل فسأل جماعة من رجال سحنون وهم يومئذ متوافرون بالقيروان، فما اختلف منهم واحد أنه يتصدّق بهذه الدنانير الذي أخذها وبقيمة الثوب، لأنه كان يسوى أكثر، وقال ابن الحلاف: كنت أعمل القطن فنتفرغ من العمل بالعشيّ فيضيق علي الوقت، وكانت نوالات بنيت غصبا على وادي القصّارين، فنشتري منها بحبة بقلا فوقع في نفسي من ذلك فسألت أبا الفضل بن الممسي وأبا حفص بن العسّال رحمهما اللّه عن ذلك فقالا لي: تتصدق بقيمة الكراء من حين عقدت البيع إلى أن قبضته؟ فقلت لهم: كراء النوال درهم في الشهر وهو يبيع باثني عشر درهما كل يوم، فقالا لي: تصدق بربع درهم في السّنة، فإن الحبوب إذا اجتمعت كثرت. وروي: أنه وصل إليه حديد فأدخله السوق فقيل له: قد سوى على فلان بعشرة دنانير القنطار وعلى فلان بأربعة عشر دينارا القنطار قال: هذا تفاوت فما السبب في ذلك؟ فقيل: إنّ فلانا يعني الثاني لا يبقى عنده عمل يجيء إليه أبو فلان فيأخذ ما عنده من العمل، فباعه بعشرة دنانير للأول، وكان أبو الفضل أحسن خلق اللّه وضوءا، وكان له مرحاض لا يدخله غيره، مفتاحه في وسطه، وكان يكاد أن يصلّي في هذا المرحاض لأنه نقي وفيه أواني الوضوء مغطّاة، وفيه نعل لا يخرج بها، ونعل يمشي بها إلى مصلّاه، فلما أصيب سمعوا في المرحاض قعقعة عظيمة فأرخوا ذلك فوجدوه يوم مات بالمهدية ففتحوا المرحاض فوجدوا أواني الوضوء قد كسر بعضها بعضا ساعة مات بالوادي المالح.
قلت: وكان شيخنا أبو الفضل البرزلي ينقل أنّ أمّه لما سمعت القعقعة المذكورة قالت لمن حضرها: عزّوني في ولدي فإنّ هذه القعقعة تدلّ على موته.
قال: وكان أبو الفضل ممن خرج لقتال بني عبيد مع أهل القيروان لما كان يعتقد من كفرهم.