معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 4، ص: 22
كان ببلد آخر. ولا مشى مع أبي سالم راكبا قط أدبا معه. وكان إذا نظر [إليه] (1) أبو علي سالم يطرق رأسه إلى الأرض، ويذوب عرقا، ويرعد مثل الورقة في الرّيح العاصف، خوفا وحياء منه. وكان إذا قام أبو علي سالم بعد صلاة الضّحى، يخرج أبو علي عمار خارج باب الزاوية ويجلس ولا يدع أحدا يدخل إليه، ولا ينصرف حتى ينتبه من نومه.
و منها أن أبا علي عمار أصبح يوما كسلانا فقال له أبو علي سالم: ما قصرت البارحة في السبع الذي أضر بالقرية الفلانية، وسمّى قرية من قرى تونس، ضربته يا عمار بيدك على جنبيه حتّى أثّرت فيها وأصبحت زرقاء. فقال له: أ تدري يا عمار أنه لما ضربته وصرفته على القرية أنه همهم، لكن ما قصّر الرجل الذي أعانك وقال للصيد تأدب مع عمار فانصرف وهو يبصبص، فأقبل أبو علي عمار على يد الشيخ يقبّلها وقال: يا سيدي هكذا كان.
و كان أبو علي عمار كثيرا ما ينشد إذا رأى من الشيخ أبي علي سالم بعض إعراض عنه:
لأية علّة ولأي حال (2) ... صرمت حبال وصلك من حبال
و عوّضت البعاد من التداني ... ومرّ الهجر من حلو الوصال
فإن أك قد جنيت عليك ذنبا ... ولم أشهر (3) بقول أو فعال
فعاقبني عليه بكل شيء ... أردت سوى الصدود فما أبالي
فيعطف عليه الشيخ رحمه اللّه ويكظم ما عنده عليه من غيظ. وكان غيظه عليه، إنما هو إذا رأى منه إظهار حال من أحوال الرجال، فيكره إظهار ذلك منه، ويحب منه كتمان ذلك لينتقل إلى ما هو أعلى [منه] (4) .
و دخل الشيخان أبو علي سالم، وأبو علي عمار لمدينة تونس، حين حضر الجهاد المذكور فيما يأتي، إلى الصلاة بجامع الزيتونة، فمرّا برجل يبيع السّكّر في حانوت، وكان هذا الرجل من أولياء اللّه تعالى فعرفاه، ووقفا (5) عليه، وقالا له:
(1) زيادة من: ت.
(2) في ط: حلول.
(3) ت: أشعر.
(4) سقط من: ت.
(5) ت: فوقفا.