معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 4، ص: 35
ذكر بقية أخباره رضي اللّه عنه
قال أبو عبد اللّه محمد بن عثمان الحضرمي (1) أتى الشيخ الدكالي زائرا لأبي علي سالم القديدي بمنزل قديد، ففرح به فرحا شديدا وأقام عنده أياما، ثم نزع أبو علي سالم طيلسانا [كان عليه] (2) وأعطاه له كله. فقال له: ومن الدكالي حتى يلبس خرقة لمست جسمك؟ ما أقدر على هذا الحق الكبير، ولا أقوم به، وما نحب منك إلّا أن تكون (3) أنا سالم تلميذ، وأنت أبو هلال. فقال له: ما نحن إلا إخوة، أعطيتك الفاني لننال (4) الباقي كسوت (5) ظاهرك، لتكسو باطني، فبكى أبو عبد اللّه الدكالي وخشع، وقال له: باللّه لا تفعل، هذا فضل منك واستئناس لقلوب إخوانك، لا عدمناك يا شيخ الفتوة.
و أتاه مرة أخرى زائرا، فتوضأ ولم يشعر بأن أبا علي سالم [قبالته ينظر إليه، فلما رفع الدكالي رجله إليها ليغسلها نظر إلى أبي علي سالم] (6) ، وهو قبالة وجهه وهو منحني على مرفقه، فقام ووثب وقطع وضوءه، فقال له أبو علي: ما بالك يا سيدنا الشيخ قطعت الوضوء وفي كريم علمكم- نفع اللّه بكم- أنّ الوضوء لا يقطعه إنسان إلا إذا خاف الهلاك، أو شيئا يضره من لصوص أو سباع أو شيء من المخوفات؟ فقال له: يا سيدي أبا علي! وأي شيء (7) أعظم من هذا الخوف؟ الذئب يثبت قدام الأسد؟ كيف يا سيدي أبا علي الدكالي يرفع قدمه في وجه شيخه [شيخ ومتأدب] (8) مع أولياء اللّه تعالى؟ باللّه يا سيدي أبا علي بحق من وهبك السّرّ إلا ما فتيت علينا، ولا تؤاخذنا، فإنه لو لا فضلك ما صحبك (9) أحد ولا يقدر يصحبك.
فقال له: إني أحب أن أقتدي بالعلماء، فإنه ما يعبد اللّه إلا بالعلم. قال اللّه العظيم:
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ قائِمًا بِالْقِسْطِ [آل عمران: 18] . ثم أخذ يؤانسه ويلاطفه ويقول له: يا سيدي أبا عبد اللّه ما أنت إلا أخي وحبيبي
(1) ترجم له برقم (359) .
(2) سقط من: ت.
(3) كذا في ط وت. والصواب: أكون.
(4) في ت: لتنال.
(5) ت وط، كسيت. والصواب ما أثبتناه.
(6) ما بين المعقوفتين سقط من: ط، الزيادة من: ت.
(7) سقط من: ت.
(8) في ت: شيخ الحقيقة مع ما يتأدب.
(9) ط: صحب. التصويب من: ت.