فهرس الكتاب
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 4، ص: 59
يعقوب فقالا له: ضاعت غنمنا ولا تعلم من أخذها، ولا علمنا لها خبرا أصلا، ولا وقعنا لها على أثر، فأتيناك لتدعو لنا، ولعلّ اللّه ببركتك يجمع علينا غنمنا.
فقال لهم: لا بأس عليكم، يحفظ اللّه عليكم غنمكم، إن شاء اللّه. فقالا: الشيخ شيخ الاطلاع، ولعلّ اللّه يجمع علينا غنمنا. وكانا إذ ذاك ساكنين بمنزل الأجم ولم يزالا بها، فلمّا صلّيا العشاء الآخرة قال لهما الشيخ: [يا شيخا زواوة] (1) شوّش عليكما طرف من الدنيا لا قدر لها، واللّه تعالى يقول: قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَ لا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا [النّساء: 77] فقال له: المال معلّق بالقلب، فقال الشيخ:
لا حول ولا قوة إلا باللّه، ما سلم من الدنيا إلا من سلمه اللّه عزّ وجل. ثم قال لهم: قوموا واستريحوا فإذا كان غد (2) إن شاء اللّه، يأتي الفرج من عند اللّه، ففرحوا بذلك وطمعوا، فلما صلّيا الصبح مع الشيخ قال [لهم] (3) : ما نمتم البارحة، فلو حزنتم على دينكم، لحصل لكم المقصد (4) . ثم قال: امضيا إلى الشّعبة الفلانيّة، سمّاها لهما، فإن الغنم مكمنة فيها، فإن الذين ساقوها كمنوها في ذلك الموضع وهي مقيدة بالقدرة بفضل اللّه حتى تصلاها وتسوقاها، وأعرفكم أن الأذياب دائرون عليها، وما ضرّوها، ففرحنا، وتمرّغنا على قدميه وقلنا: هذه عادتك معنا ومع غيرنا، تجبر المكسور. وانصرفنا عنه، وما مشينا بل جرينا حتى وصلنا إلى الموضع الذي ذكر لنا، فوجدنا الغنم كما ذكر لنا والأذياب (5) دائرة بها، وما نقص من الغنم رأس واحد، فسقناها إلى بلدنا.
و منها ما أخبرني به من نثق به قال: كنّا في رفقة مع الشيخ أبي علي سالم، ونحن متوجهون لزيارة الشيخ أبي هلال، فبينما نحن في الطريق، إذ حانت صلاة الظهر، فنزلنا وتوضّينا وقال الشيخ للإمام: تقدم للصلاة، فألحّ عليه جميعهم أن يصلي هو بهم، فأجابهم إلى ذلك وقال: يا فقراء، أ تريدون أن أصلي بكم خصوصا أو عموما؟ قالوا: خصوصا، ولم يعلموا قدر ذلك، قال لهم: نعم. قال: ثم أقاموا الصلاة، وتقدم الشيخ، وكبّر وكبّروا، فلما سلّم من الصلاة، وسلّموا وراءه فالتفتوا، فإذا هم في جزيرة في وسط البحر، والبحر محيط بهم، ولم يجدوا برّا، فاستقبل
(1) سقط من: ت.
(2) في ت وط: غدا.
(3) سقط من: ت.
(4) ت: المقصود.
(5) الصواب: الذئاب.