فهرس الكتاب

الصفحة 759 من 1221

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 4، ص: 64

و كان ذلك في مجلس خلوته في الزاوية، فسقطت عصية لطيفة منحنية الطرف من طاقة مرتفعة في الحائط، فلما رآها الشيخ اصفرّ وجهه (1) ، وأمسك عن ضربي، ثم قال لي: هذه العصية ألقاها بعض الأبدال (2) حين ضربتك ووقعت يدي على [خدك شفقة] (3) منه عليك. وسرّه ذلك في جهتي كثيرا، ثم أقبل علي يؤنّسني ويرضيني، وأعطاني ثوبا وعمامة، وأقبلت (4) أقبّل يديه، وأرغب منه الدعاء، وقلت: يا سيدي هذه من بركاتك علي، ونلت منك الدعاء، وأرجو من اللّه عزّ وجل أن ننال الآخرة؛ فزاده ذلك سرورا ودعا لي، ونهاني أن نعرّف [بذلك أحدا] (5) من الناس.

و منها أنه كان إذا صلّينا صلاة الصّبح يقول: أطفوا القنديل، ثم يقول لي: يا محمد، تأدبوا في قراءة الحزب، واحضروا بقلوبكم، فإن الأولياء يحضرون معكم ويقرون معكم وأنتم لا ترونهم. فكنا إذا قرأنا وسكت أحد منا، يسمع القراءة كدويّ النّحل بيننا وبين الشيخ، ويدورون حلقة على الشيخ، واللّه أعلم أنهم أقرب منا إليه، وكان يقول: يحضر معكم سيدي أحمد القطب، ومسكنه بمكة شرّفها اللّه وزادها تعظيما وتكريما. ولكنه يتفقدنا نفع اللّه به.

و كان الشيخ يجلس في البيت الشرقي تارة في صدره، وتارة عن يمين الداخل، وتارة عن يسار الداخل. وربما يجلس في أركان الزاوية وفي خلوته التي دفن بها وفي سقيفة الزاوية، فقلت للحاج عبد اللّه بن زياد في ذلك، فقال: ما تعرّف أحدا إن أخبرتك، قلت له: نعم، قال لي: اللّه شاهد عليك، قلت: نعم، وشدّد عليّ في أخذ العهد في كتمان ذلك، فكتمته حتى توفّي. قال لي: يا عبد اللّه، كل موضع جلس فيه الشيخ نفع اللّه به وأخذ فيه ورده جلس فيه الخضر- عليه السلام- وذكر اللّه فيه، أو قال: صلّى فيه، الشك مني.

و منها: أني كنت جالسا يوما من الأيام عند الشيخ إلا وباب داره يضرب (6) فقال: يا محمد قم وانظر ما عندهم، فقمت فقالوا لي: الحمام سقط في الماجل فجئت لأعلمه. فقال قبل أن أخبره: الحمام سقط في الماجل؟ قلت: نعم. فقال:

(1) ت: لونه.

(2) ط: أبدال.

(3) ت: وجهك مسفقة.

(4) ت: فأقبلت.

(5) ت: بما جرى لأحد.

(6) ت: ينصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت