معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 4، ص: 151
قاضيا بالقيروان قبله، ثم تولّى بعده الفقيه أبو عبد اللّه محمد يعرف بالتمام، ثم تولى بعده الفقيه أبو عبد اللّه محمد (1) الفاسي هذا، فوقعت نفرة بسبب ذلك.
فحدثني الأمين أبو العباس أحمد بن مالوش قال: كان من جملة أتباع الفقيه ابن فندار عزوز البراق الصائغ، فأتيت أنا وهو بفضة للطبع بطابع الفقهاء، فنظر فضتي وكنت يومئذ صائغا. وقال (2) : هذه طيبة، ونظر فضة عزوز المذكور، فقال:
هذه غير طيبة، فقال عزوز: بل طيبة، وألحّ في ذلك. فقال: اجلس وأمر من يحميها، فظهرت أنها غير طيبة، فقلت في نفسي: يضربه ضربا يكون موته منه، لأنه من خواص فلان، وهذه عثرة بينة، تكون سببا مع علمي، أنه قوي في الأدب، فأخذ يقرأ قوله تعالى: وَ أَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (41) [النازعات: 40 و41] ، ثم أخذ يكرر ذلك، ثم قال له: انصرف، ولا تعد لهذا، ولم يعترض (3) لأدبه.
و مشى مرة لتونس في أيام قراءتي (4) بها فأدركه المبيت في بلد الحمّامات (5) ، بلدة لطيفة على شاطئ البحر، وما زال عدو اللّه (6) ينزل بها، وبقربها جبل يمتنع (7) أهلها به، فنزل عن حصانه، ودخل المسجد، ووجد القاضي والشهود فيه، فعرض عليه الشهود الضيافة فقال لهم القاضي أبو عبد اللّه محمد بن معطي، وكان مثل والده، تولى قضاء بلاد متعددة: أنا أولى به، فهو ضيفي.
فاتكل العدول عليه، ولم ير القاضي بعد (8) ، وبقي حصانه على باب المسجد، وبقي هو بلا عشاء كحصانه، وأهل القيروان ما ألفوا بحرا لبعدهم عنه (9) ، فخاف أن أبروطة من عدو الدين تنزل بالبلد، ويأخذونه أسيرا، فبقي ساهرا الليل كله، وأكثر من قراءة القرآن، وهو خائف ثم (10) سافر من الغد إلى تونس، وبينهما ثمانية وأربعون ميلا (11) ، فما وصل هو وحصانه إلا على تعب من العياء والجوع. [و قد]
(1) سقط من: ت.
(2) ت: فقال.
(3) ت: يتعرض.
(4) ت: قراءته.
(5) مدينة حديثة بناها المسلمون وأحاطوها بأسوار متينة تقع على بعد خمسين ميلا من تونس.
وصف إفريقيا ص: 83.
(6) ت: عدو الدين.
(7) ت: يتمنع.
(8) ت: من بعد.
(9) ت، ط: عند، والصواب ما أثبتناه.
(10) ت: و.
(11) ميل واحد يساوي- 1506 م.