معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 4، ص: 152
[عزّ] (1) عليه فعل القاضي المذكور، فلما دخل على شيخه القاضي أبي علي عمر بن عبد الرفيع، عرفه بما وقع له، فطلع للسلطان من فوره وقال له: تعلم أن الفقيه أبا يحيى الفاسي مات في خدمتكم، وتولى قضاء بلاد متعددة، ومن جملتها الجزيرة قال: صح. قال: وولده أبو عبد اللّه محمد من طلبتنا الحذاق، بات في الحمامات إحدى بلاد الجزيرة، وبسط له ما تقدم ذكره وقال له: مثل هذا القاضي الذي هذا فعله لا يتولى على الدماء والفروج، فعزله السلطان، ونزل بعزلته، وبعثها له بسبب فعله، فهذا شؤم الشيخ.
و كنت مع أصحابنا يوما في الميعاد نقرأ عليه في المسجد المجاور لبئر روطة وإذا بقائد البلد يحيى بن حيون جاء [و هو] (2) يصيح يقول: أبو القاسم بن غيث الحكيمي جاءني لباب البلد لنسرح له زيتا من القائد، فأبيت عليه، فعمل يده فيّ فقال له: اجلس حتّى نسمع كلامك فلم يفعل، فخرج وهو يتكلم بما لا يعني، وإذا بالحاج أبو القاسم (3) المذكور جاء ووجهه ملطخ بالدماء، وكذلك ثيابه، وقال: يا سيدي حفظك اللّه، أنت تعلم أن أولاد غيث، لا يؤذون قائدا في ربضنا، وجئت بقافلة جمال زيتا، فاختلط لي جمل مع أهل البلد، فوصل إلى الباب فجئت لنخرج به، فأبى، فعرفت القائد، فأبى عليّ، فلاطفته، فبينما أنا أكلمه إذ رفع شيئا ذكره وضربني به، فأصابني هذا، فخرج وسأل فوجد الأمر كما قال الحاج، فكتب كتابا للسلطان أبي العباس أحمد وبسط له تلك (4) القضية كما وقعت، ومشى به الحاج المذكور فجاء بعزلته ورفعه مكبولا، وبقيت البلاد بلا قائد أشهرا عدة، وأجزى القاضي غاية الإجزاء، وكان زمن شدة فكان لا يقدر أحد أن يتعرض لأحد بمكروه، لا ليلا، ولا نهارا.
و دخل عليه شيخنا البرزلي، وشيخنا أبو يوسف يعقوب الزعبي للسلام عليه، فلما خرجا (5) قال لمن حضره: الأول مفتي بلده، والثاني قاضيها، [فكان كذلك] (6) .
(1) في ت: وعزّ.
(2) سقط من: ت.
(3) ت: ابن القاسم، وفي ط: قاسم، والصواب ما أثبتناه بناء على ما تقدم وهو: أبو القاسم ابن غيث الحكيمي.
(4) سقط من: ت.
(5) ت: خرجنا.
(6) زيادة من: ت.