فهرس الكتاب
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 4، ص: 205
و عرج لبلد توزر، وترك طريق طرابلس ووصلها في أربعة أيام، وحصرها، وظن شيخها أبو يحيى أنه يمنع، فخانه بعض أهل بلده، فما عنده خبر إلا والسلطان دخلها، ومكّنه اللّه منه، وقتله صبرا، وأراح اللّه المسلمين منه.
و حدثني من نثق به عمن حدثه أنه قال: كنّا معه في الغابة المذكورة، وهو يلقم في شجر الزيتون، فقال لمن يعينه (1) في ذلك: اضربوا في رأس ابن يملول، فأرخت (2) تلك الساعة واليوم، فتبين أنه الوقت الذي قتله فيه السلطان.
ثم مشى السلطان بإثر ذلك إلى قفصة، وكانت حصينة جدّا، وكان حصرها السلطان أبو يحيى أبو بكر ستة أشهر، ومنعت، فلما رحل عنها لحقه شيخها بمفاتيح البلد، وردّ شيخها إليها، وحصرها ولد ولده أبو العباس أحمد بن محمد في زمانه وأخذها، ثم نافق أهلها بعد سنين، وحصرها مدة، ومنعت بسبب أن الشيخ صولة الليلي شوّش عليه وكان مريضا. فأعان اللّه ولده أبا فارس المذكور، وأخذها قهرا، وقتل شيخها وغيره؛ ورأى من المصلحة هدم سورها، فهدمه إلى الأرض، وبنى بأنقاضه قصبة لقوّاده.
و حصر أبو فارس بمحلته قبل أخذها لما ذكر جبل أوراس وهو جبل حصين جدّا، يسكنه الخوارج، ووقعت مقاتلة كبيرة. قال شيخنا البرزلي: كان في ذلك الوقت عندي الشيخ عبيد بتونس ضيفا، فأبطأ عليّ في إتيانه للعشاء إلى قرب العشاء الآخرة، وكان في الأرض أثر طين، وإذا هو داخل وفي ساقيه بعض تنجيس، وهو حاف. فقلت له: أبطأت، فقال: لو لا رجال الحق حضروا للسلطان، لما نجا من أهل الجبل، لكن سلمه اللّه، فظن أنه الوقت الذي كرره فيه، ومات بعض، والناس متعددون، وسلم هو والناس، وانفصل عنهم (3) .
و حدثني من نثق به أيضا أنه قال: كنت بزاوية الشيخ الجديدي بعد موته، وقد كان قدم عليها الشيخ عبيد الغرياني، وقد أتى للزاوية بجمال عليها تمر من بلاد الجريد، وحضر رجل من أبناء الدنيا، فطلب الشيخ أن يعطيه منه ليدفعه لأهله، فقال له الشيخ: إنما هو للفقراء، وأنت لست بفقير، فقال له: يحكم بيني وبينك
(1) ت: يعنيه.
(2) ت: فورخت.
(3) في ط قبالة كلمة «كنت بزاوية» على الهامش ورود لفظة «كذا بالأصل» .