فهرس الكتاب

الصفحة 977 من 1221

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 5، ص: 62

قال: وقال: ممّا وجدناه مقيّدا بخط الشيخ العلامة الحاج محمد المراكشي قال: كان شيخنا أبو الحسن سيدي الكراي الأصغر، قصد زيارة القيروان في عام خمسة وخمسين وألف، ومعه جمع وافر، فلما بلغ إلى القيروان واجتمع بالشيخ سيدي علي الوحيشي رحمه اللّه تعالى، وأخذ عنه طريقة القوم، ثم إنه توجه إليه ليلة من الليالي بتلامذته، وقصد زاويته فوجده منقبضا (1) في خلوته منفردا، والباب مغلق عليه، فلم يتجاسر أحد أن يدخل عليه لجلالة قدره، وهيبته، فقال الشيخ الكراي لتلامذته: ما يصلح بنا إلا أن ندخل عليه كرها. قال: فأنزلنا الباب عن محله، ودخلنا عليه جملة فزاد انقباضه وقال لي: يا كراي، أنت باش تصدم علي؟ أنت باشا يا كراي؟ قال: فأشرت إلى منشد كان معنا، فرفع صوته بقصيدة وافتتحها في الذكر، والحضرة، فقام الشيخ ودخل وسط الجماعة، وصار يذكر معنا، وزال انقباضه، وانبسط وطاب وقتئذ، وعانقني وعانقته، فكانت ليلة عظيمة لمعت فيها الأنوار، وظهرت فيها الأسرار، وزالت سحب الأوهام والأغيار، وبزغت فيها شموس المعارف، فتاهت الأفكار، وطلعت أقمار الشّهود، وأفلاك السّعود، فانجلى دجى الأكدار، ولمعت كاسات الوفاء، بشراب كاد سنا برقه يخطف الأبصار، فتلقتها همم السّادات، وفازوا بشرابها، فحصل لهم العزّ والافتخار، ونادى لسان حالهم بعد صفاء أحوالهم ينشد ويقول:

كشف الحجاب وزالت الأستار ... وصفى العتاب وطابت الأسهار

و أتى النسيم مبشّرا ومخبرا ... جاء النّعيم وزالت الأكدار

و روت حديثا عن شذاك معطرا ... فصفت بلطف صفاتك الأسرار

شهدت معانيك القلوب لوصفها ... فتحيّرت في وصفك الأفكار

و تولّهت أهل الهواء وتحيّروا ... قد شاهدوك وكيف لا يحتار

يا واحدا في الحسن إني واحد ... في الحبّ لا عار ولا إنكار

قم واسقني وحدي كئوس مدامة ... كانت ولم يك في الثّرى أقمار

قال: ثم أقبل الشيخ الوحيشي على الشيخ الكراي إقبالا، فحمل له ما أسره، وقرّت به عينه من طيب الوصال، فتمنى أن ليله لا ينقضي، ونادى لسان حاله يقول:

(1) في الأصل: منقضبا. والصواب ما أثبتناه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت