فهرس الكتاب

الصفحة 216 من 389

وبالتدقيق فيها يتبين أنها وصف مناسب يفهم السبب الذي جعله علة، أي: هي وصف مفهم أنه للتعليل ومفهم وجه العلية فيه، ولذلك صح القياس عليها.

وبهذا نخلص إلى أن شروط العلة التي اتّخذت أصلا للقياس هي ثلاثة:

-الأول: أن تكون وصفا لا اسما جامدا، والثاني: أن تكون وصفا مفهما، أي: دالاّ على معنى آخر غير دلالة اللفظ، أي: دالاّ على أنه للتعليل؛ والثالث: أن يكون الوصف دالاّ على وجه العلية.

ولذلك لا يدخل التعليل الألفاظ الجامدة مطلقا. وعليه فإن قوله عليه السلام: «الذهب بالذهب مثلا بمثل، والفضة بالفضة مثلا بمثل، والتمر بالتمر مثلا بمثل، والبرّ بالبر مثلا بمثل، والملح بالملح مثلا بمثل، والشعير بالشعير مثلا بمثل، فمن زاد أو ازداد فقد أربى» هذا الحديث لا يعلّل ما جاء فيه مطلقا، لأن هذه الأشياء ألفاظ جامدة، وليست وصفا، فلا تشعر بالعلية، ولا يفهم منها التعليل لا لغة ولا شرعا. فينحصر تحريم الربا بهذه الأشياء الستة، وتكون الأموال الرّبوية محصورة في هذه الستة فحسب.

فلا يقال: «حرّم الرّبا في الذهب، لأنه موزون، أو لأنه معدن نفيس» فتجعل علة تحريم الربا فيه كونه ذهبا أو فضة، ويجعل وجه العلية فيه كونه موزون جنس، أو كونه معدنا نفيسا. فكلمة «الذهب» و «الفضة» اسم جامد، وليس وصفا، فلا يصح أن يكون علة مطلقا، فلا يقاس عليه. وهو، أيضا، لا يتضمن أي تعليل، ولا يدل على جه العلية فيه، فلا يقاس على علته. فلا قياس حكم، لأنه ليس علة، ولا قياس علة، لأنه كذلك، ولأنه لا دلالة فيه على وجه العلية.

وكذلك لا يقال: «حرّم الرّبا في الحنطة والشعير والتمر والملح، لأنه مكيل» فتجعل علة التحريم فيه كونه حنطة أو شعيرا أو ملحا، ويجعل وجه العلية فيه كونه مكيل جنس، أو كونه طعاما. فكلمة «الحنطة، الشعير، التمر، الملح» أسماء جامدة وليست أوصافا. فلا يصح أن تكون علة مطلقا، إذ لا يقاس عليها.

وهي، أيضا، لا تتضمن أيّ تعليل، ولا تدل على وجه العلية فيها، فلا يقاس عليها، فهي لا يقاس عليها قياس حكم لأنها ليست علة، ولا قياس علة لذلكولأنها لا تدل على وجه العلية. ولا يقال: «إن العلة فيه هي الزيادة، وهي تتحقق في كل جنس من الأجناس، فيحرم تبادل جنس واحد مطلقا، أي: مطلق جنس يحرم لوجود الزيادة» لا يقال هذا لأن قوله في الحديث: «مثلا بمثل» هو وصف وليس علة للتحريم، ولا يمكن أن يفهم منه كونه علة لا لغة ولا شرعا، فلذلك يبقى الحكم مسلّطا على اللفظ الجامد. ولذا قال في نهاية الحديث: «فمن زاد أو ازداد فقد أربى» أي: من زاد أو ازداد في هذه الأشياء المنصوص عنها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت