فهرس الكتاب

الصفحة 218 من 389

من الصفة الحقيقية والسلبية، كتعليل وجوب القصاص بالقتل العمد الذي ليس بحق. ويشار إلى هذه العلة بقولهم: «التعليل بالوصف المركب»

وهي العلة التي تستنبط من النص الواحد، أو النصوص المتعددة المعينة استنباطا. وذلك أن يكون الشارع قد أمر بشيء أو نهى عن شيء، في حالة إما مذكورة معه في النص، أو مفهومة فيه من قرائن واقعية تعيّن وجودها فعلا، ثم ينهى عن الذي أمر به، أو يأمر بما نهى عنه لزوال تلك الحالة، فيفهم، حينئذ، أن الحكم معلّل بتلك الحالة، أو بما تدل عليه. وذلك كقوله تعالى: يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ

آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ اَلْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اَللّهِ وَذَرُوا اَلْبَيْعَ [الجمعة: الآية 9] فالآية سيقت لبيان أحكام صلاة الجمعة لا لبيان أحكام البيع. فالنهي عن البيع حصل في حالة النداء للجمعة، ثم جاء النص يقول: فَإِذا قُضِيَتِ اَلصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي اَلْأَرْضِ وَاِبْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اَللّهِ [الجمعة: الآية 10] فأمر بالانتشار في الأرض والابتغاء من فضل اللّه في حالة زوال تلك الحالة، وهو إذا قضيت صلاة الجمعة، أي: جاز البيع عند انتهاء صلاة الجمعة. فيستنبط من ذلك أن علة منع البيع حال أذان الجمعة هو الإلهاء عن الصلاة، وهو ما دلت عليه تلك الحالة؛ وكقوله صلى اللّه عليه وسلم: «المسلمون شركاء في ثلاثة: في الماء والكلإ والنّار» وثبت عنه عليه السلام أنه سكت عن ملك الناس للآبار في أراضيهم، ولملكية الأفراد للماء في المدينة والطائف، ولكنّ وجود الآبار التي سمح الرسول بملكيتها للأفراد كان لزراعة البساتين وغيرها. ولم تكن للجماعة فيها حاجة، فدل السماح بها في هذه الحال على أن الشركة في الماء، إنما تكون فيما للجماعة فيه حاجة، فيستنبط من هذا أن وجود الحاجة للجماعة في الماء هو علّة الشّراكة فيه، أي: كون الماء من مرافق الجماعة هو علة الشراكة فيه، أي: علة كونه من الملكية العامة. وبذلك لا تكون الشراكة في ثلاث بل لكلّ ما فيه حاجة للجماعة. وإذا خلت حاجة الجماعة من أيّ واحد من هذه الثلاث ذهبت الشراكة لذهاب العلة. وهكذا كلّ نص سيق الحكم فيه لحالة أو وصف ثم ورد نصّ

آخر في الأمر بحكم يخالف ذلك الحكم، فإنه يستنبط من النصين أن تلك الحالة علّة أو تدلّ على علة الحكم. ومن ذلك أن ينهى الشارع عن أمر نهيا عامّا، ويبيحه في حالة ما من حالتي ذلك الأمر، فيستنبط من إباحته في إحدى حالتيه مع وجود النهي العام أنّ علة النهي هي الحالة المقابلة للحالة التي أبيح فيها.

ونشير إلى أن العلة المستنبطة لا يجري فيها قياس العلة، إذ تظل في حدود النص الذي علّلت مضمونه. (را: العلة القياسية) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت