باب تخصيص الكتاب بالسنة، والثانية لا علاقة لهذا الاستدلال فيها بالأحكام الشرعية في الآيتين المذكورتين، إذ هما من باب العقائد. وعليه فلا يثبت مدلول هذا الاصطلاح على الإطلاق
ويراد به أن يجري التخصيص بلفظ من ألفاظ الغاية. وصيغ الغاية لفظان هما: «إلى، حتى» . فإذا دخلت أيّ منهما على الكلام العام أخرجت منه ما بعدها، فلا بد أن يكون حكم ما بعدها مخالفا لما قبلها، كقوله تعالى: ثُمَّ أَتِمُّوا اَلصِّيامَ إِلَى اَللَّيْلِ [البقرة: الآية 187] فحكم «الليل» الذي بعد «إلى» مخالف لما قبلها، وقوله تعالى: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى اَلْمَرافِقِ [المائدة: الآية 6] فحكم
«المرافق» الذي بعد «إلى» مخالف لما قبلها، فخصّصت الحكم بما قبل «إلى» وأخرجت منه ما بعدها.
وهذا البحث فيه تخليط عند الأصوليين. فما شرحناه هو الذي اتضح لنا من معنى الاصطلاح. وأما الخلافات الأخرى على دخول الغاية التي بعد حروف الغاية في المغيّا فهذا ليس من البحث في الخصوص أو «التخصيص» في شيء. وهو خاص بالمنطوق، وأما هذا القسم فيرجّح أن ندخله في باب
«التخصيص بالمفهوم» ، أو ينبغي تقييده بقولنا: «التخصيص بمفهوم الغاية»
وقضايا الأعيان هي كلّ قضية في حالة أو أحوال عينية أو معيّنة أو بعبارة أخرى تقع في معيّن من الأفراد أو عددهم.
ويمثّل لهذا النوع من التخصيص أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن لبس الحرير للرجال، ثم أذن في لبسه لعبد الرحمن بن عوف والزّبير بن العوّام لقمل كان بهما. فإذنه لهما قضية عين، فيكون الإذن في هذه الحالة مخصّصا لعموم النهي. وهذا عند من يثبت هذا النوعويجيزه، مع أن الأكثر أن قضايا الأعيان ليس فيها بذاتها ما يفيد التخصيص. وهي على أية حال من باب ما يكون تخصيصا بالسّنّة
اختلفوا على المراد بالقياس، كما اختلفوا في جواز التخصيص به. ولم نر له مثالا. والذي نراه في هذه المسألة أن القياس المعتبر هنا هو القياس الذي ورد بعلته الشرع، أي: الذي علته مأخوذة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، وما لم تكن علته قد وردت في الشرع فإنه لا يعدّ
دليلا شرعيا.
والمثال الذي نراه لهذه المسألة هو في قوله تعالى: وَأَحَلَّ اَللّهُ اَلْبَيْعَ [البقرة: الآية 275] فلفظ «البيع» عامّ في كل بيع، وورد التخصيص بقول الرسول عليه الصلاةوالسلام: «لا يبع حاضر لباد» فقد وردت