فيكون البيان قاطعا للاحتمال مقرّرا للحكم على ما اقتضاه الظاهر. وذلك نحو قوله تعالى: فَسَجَدَ اَلْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [الحجر: الآية 30] فصيغة الجمع تعمّ
الملائكة على احتمال أن يكون بعضهم، وقوله تعالى: كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [الحجر: الآية 30] بيان قاطع لهذا الاحتمال. وكذلك قوله تعالى: وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [الأنعام: الآية 38] يحتمل المجاز، لأن البريد يقال له: طائر فإذا قال: «يطير بجناحيه» بيّن أنه أراد الحقيقة.
وفي الحق أن هذا البحث لغويّ
يبحث في موضع آخر من أبحاث اللغةوليس في هذا الباب الذي هو (البيان)
الذي هو من أقسام الكتاب والسّنّة
ويعرّف بأنه نوع من البيان يحصل بغير ما وضع له في الأصل. وهو على أربعة أوجه: فمنه ما ينزل منزلة المنصوص عليه في البيان، ومنه ما يكون بيانا بدلالة حال المتكلم، ومنه ما يكون بيانا بضرورة دفع الغرور، ومنه ما يكون بيانا بدلالة الكلام.
فالأول نحو قوله تعالى: وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ اَلثُّلُثُ [النّساء: الآية 11] فإنه لمّا أضاف الميراث إلى الأبوين صدر الكلام، ثم بيّن نصيب الأمّ كان ذلك بيانا أن للأب ما بقي، فلا يحصل هذا البيان بترك التنصيص على نصيب الأب. بل بدلالة صدر الكلام يصير نصيب الأب كالمنصوص عليه.
والثاني كالسكوت من صاحب الشرع عن معاينة شيء عن تغييره يكون بيانا منه لحقّيّته باعتبار حاله، فالبيان واجب عند الحاجة إلى البيان. فلو كان الحكم بخلافه لبيّن ذلك لا محالة، ولو بيّنه لظهر. والسكوت بعد وجوب البيان دليل النفي، كسكوت الصحابة عن بيان قيمة الخدمة للمستحق على المغرور، فهو دليل على نفيه، بدلالة حالهم، لأن المستحقّ جاء يطلب حكم الحادثة وهو جاهل بما هو واجب له، فكان يجب عليهم في مثل هذه الحادثة، وهي أول ما وقع بعد الرسول عليه السلام، مما لم يسمعوا فيه نصّا، كان يجب عليهم البيان بصفة الكمال.
والثالث من الأوجه هو كنحو سكوت المولى عن النهي عند رؤيته العبد يبيعويشتري، فإنه يجعل إذنا له بهذا في التجارة، لضرورة دفع الغرور عمن يعامل العبد، فإن في هذا الغرور إضرارا بهم، والضرر مرفوع ومدفوع، ولذا لم يصحّ
الحجر الخاص بعد الإذن العام المنتشر.
والناس لا يتمكنون من استطلاع رأي المولى في كل معاملة يعاملونه مع العبد، وإنما يتمكنون من التصرف بمرأى العين منه، ويستدلون بسكوته على الرضا، فسكوته كالتصريح بالإذن لضرورة دفع الغرور.