التي لأجلها شرع البيع لم يوجد منها شيء. ومن أجل ذلك صار هذا البيع الجائز حراما نظرا لما يؤول إليه. ولكنهم قالوا بأن يظهر لذلك قصد، ويكثر في الناس بمقتضى العادة. ويقول المتعصبون لستر وجه المرأة: «إن وجه المرأة وإن أجاز الشرع كشفه وأخرجه من العورة بقوله تعالى: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها [النّور: الآية 31] . و بقوله عليه الصلاة والسلام: إن الجارية إذا حاضت لم يصلح أن يرى منها إلا وجههاويداها إلى المفصل» فرأوا أن كشف الوجه يؤول إلى الفتنة وخوفها، فحرم لذا كشف الوجه وإن كانت الأدلة تحلّه. وذلك من باب «سدّ الذرائع» وهكذا كل مصلحة تؤدي إلى مفسدة تحرم، وكل مفسدة يؤدي تركها إلى مفسدة أشد منها تحلّ.
ولا يصح إلا قاعدة «الوسيلة إلى الحرام محرّمة» التي يشتبه أنها من هذا الباب. ووجه ذلك ما يدل عليه قوله تعالى: وَلا تَسُبُّوا اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللّهِ فَيَسُبُّوا اَللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام: الآية 108] فحرّم اللّه سبّ الأصنام وهو جائز، لأنه يكون سببا لسبّ اللّه. فدلت الآية على تحريم السبب الموصل حتما إلى سبب حرام، وذلك أن سب الأصنام سبب لسبّ اللّه أنتج المسبّب حتما، فيكون واقعه ليس مظنّة السبب، بل هو حتميّ النتيجة للسبب. ودل النص على جواز هذا النوع فقط من مآلات الأفعالوهو أخذ السبب الجائز حكم المسبّب الممنوع إذا تحققت فيه السببية بأن كان السبب ينتج المسبّب حتما. وما عدا ذلك ليس كذلك. فكل الأمثلة المستدل بها على سد الذرائع تبطل النصوص حقيقة
وتشمل هذه القاعدة-بتتبع أقوال الأصوليين المذكورة في كتبهم-أمرين:
أحدهما أن يكون الشيء نفسه ضارّا، ولم يرد في خطاب الشارع ما يدل على طلب فعله أو طلب تركه أو التخيير فيه، فيكون كونه ضارّا دليلا على تحريمه لأن الشارع حرّم الضرر، وقاعدته: «الأصل في المضارّ التحريم» .
أما الأمر الثاني فهو أن يكون الشارع قد أباح الشيء العام، ولكن وجد في فرد من أفراد ذلك المباح ضرر، فيكون كون ذلك الفرد ضارّا أو مؤدّيا إلى ضرر دليلا على تحريمه، لأن الشارع حرّم الفرد من أفراد المباح إذا كان ذلك الفرد ضارّا، أو مؤديا إلى ضرر. وقاعدته: «كل فرد من أفراد المباح إذا كان ضارّا أو مؤدّيا إلى ضرر حرم ذلك الفرد وظل الأمر مباحا»
وهي الحكم العام المنطبق على أفراده. وكلمة «عام» و «عموم» تعني أن تكون الألفاظ موضوعة لغة للدلالة بصيغتها أو بمعناها على أفراد كثيرة غير محصورة على سبيل الاستغراق. نحو: