فهرس الكتاب

الصفحة 238 من 389

يؤول إليه لا الحكم الذي أنزله اللّه له.

وللحق فهذه القاعدة وهذا الفهم فيهما أشدّ المناقضة للشرع. فالآية الأولى نزلتومجيئها بعد قوله تعالى: وَمَنْ كانَ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ [البقرة: الآية 185] فهو دليل على الرّخص التي رخص فيها الشارع للمسلمين من إباحة الفطر في السفروالمرض، وهكذا جميع الرخص الشرعية. فهو خاص في موضوع الرخص وهو الموضوع الذي جاء دليلا عليه. وأما قوله عز وجل: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحجّ: الآية 78] فقد جاءت بعد قوله تعالى: يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِرْكَعُوا وَاُسْجُدُوا وَاُعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَاِفْعَلُوا اَلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحجّ: الآية 77] وَجاهِدُوا فِي اَللّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اِجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحجّ: الآية 78] فيكون الحرج -و هو الضّيق- قد رفع عنهم فيما أمرهم به من العبادة وفعل الخير، والغزو من أجل رضا اللّه، فإنه هو الذي اختاركم أيها المؤمنون لدينه ولنصرته، وما جعل عليكم من ضيق، بل بقدر ما تحملون.

فهو كقوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اَللّهُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها [البقرة: الآية 286] فجعل الدين ليس شاقّا بحيث لا يتحملونه.

وفوق ذلك فقد فتح باب التوبة للمجرمين، وجعل في الدين من الرخصوالكفارات ما يسهّل أمر الدين. وأما قول الرسول عليه السلام: «بعثت بالحنيفية السمحة» فالمراد به أنه جاء بالشريعة القويمة التي هي لمصالح العباد، وليست لقصد مشاقّ العباد. فهي «سمحة» أي: كريمة. وأتى السماح مقيدا بما هو جار على أصول هذه الشريعة، وبحسب أدلتها، لا على ما يشتهيه الهوى، ويمليه العقل. وهذا الفهم الذي جاء به القائلون بهذه القاعدة مؤدّ إلى إيجاب إسقاط التكاليف جملة، فإن التكاليف كلها شاقة ثقيلة ومن ثمّ سمّيت كذلك من «الكلفة» أي: المشقة. فإذا كانت المشقة حيث لحقت في التكليف تقتضي الرفع بهذه الدلائل، لزم ذلك إسقاط التكاليف.

قاعدة سدّ الذّرائع وحقيقتها عند القائلين بها التوسّل إلى ما هو مصلحة في نظرهم. فكل مصلحة تؤدي إلى مفسدة تحرم تلك المصلحةولو جاء النص بكونها حلالا، وكل مفسدة تؤدي إلى مفسدة أشد حلت تلك المفسدة ولو جاء النص بتحريمها. ويرى هؤلاء القائلون أن البيع أوّلا على سلعة بعشرة إلى أجل ظاهر الجواز من جهة ما يتسبّب على البيع من المصالح على الجملة. فإذا جعل مآل ذلك البيع مؤديا إلى بيع خمسة نقدا، بعشرة إلى أجل بأن يشتري البائع سلعته من مشتريها منه بخمسة نقدا، بعشرة إلى أجل. والسلعة لغو لا معنى لها في هذا العمل، لأن المصالح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت