فهرس الكتاب

الصفحة 267 من 389

تزيد. فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية، فيحلّ الفعل ولو كان في أصل مشروعيته حراما. واستدل على هذه القاعدة بثلاثة أدلة:

-الأول: إن التكاليف مشروعة لمصالح العباد، ومصالح العباد الدنيوية هي نتيجة لأعمال العباد، لأن أعمال العباد بالتأمل هي مقدمات لنتائج المصالح فإنها أسباب لمسبّبات هي مقصودة للشارعوالمسبّبات هي مآلات الأسباب، فاعتبارها في جريان الأسباب مطلوب، وهو معنى النظر في المآلات. فلم يكن للمجتهد بدّ من اعتبار المسبّب وهو مآل السبب.

-الثاني: إن مآلات الأفعال إما أن تكون معتبرة شرعا، وإما غير معتبرة. فإن اعتبرت فهو المطلوب وإلا أمكن أن يكون للأعمال مآلات مضادّة لمقصود تلك الأعمال. وذلك غير صحيح، لأن التكاليف إنما هي لمصالح العباد ولا مصلحة تتوقع مطلقا، مع إمكان وقوع مفسدة توازيها أو تزيد. وأيضا، فإن ذلك يؤدي إلى ألا نتطلّب مصلحة بفعل مشروع، ولا نتوقع مفسدة بفعل ممنوع.

وهو خلاف وضع الشريعة.

-الثالث: إن الأدلة الشرعية والاستقراء التام تدل على أن المآلات معتبرة في أصل المشروعية، كقوله تعالى: يا أَيُّهَا اَلنّاسُ اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ وَاَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: الآية 21] وقوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: الآية 183] وقوله: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى اَلْحُكّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوالِ اَلنّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: الآية 188] وقوله: وَلا تَسُبُّوا اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللّهِ فَيَسُبُّوا اَللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام: الآية 108] . و حين أشير على الرسول عليه السلام بقتل من ظهر نفاقه قال: «أخاف أن يتحدّث الناس أن محمدا يقتل أصحابه» وكذلك قوله عليه السلام: «لو لا قومك حديث عهدهم بكفر لأسست البيت على قواعد إبراهيم» إلى آخر ما ورد من النصوص مما فيه هذا المعنى حيث يكون العمل في الأصل مشروعا، لكن ينهى عنه لما يؤول إليه من المفسدة، أو يكون العمل في الأصل ممنوعا، لكن يترك النهي عنه لما في ذلك من المصلحة.

وبناء على هذه الأدلة الثلاثة قالوا بمآلات الأفعال، ثم بنوا على هذه القاعدة قاعدة سد الذرائع، كما بنوا عليها رفع الحرج، وكذلك بني عليها قاعدة الحيل، وقاعدة المصالح المرسلة.

وبالتدقيق نجد أن كلام المتأخرين في الأخذ بهذه القواعد والتفريع عليها لم يكن عند المتقدمين بهذه الصّور، بل هناك جملة وافرة من الاجتهادات مما لا يصح عن المتقدمين بهذه الصّور، إذ خضعت عباراتهم إلى تأويلات فاسدة لم يكن من نسبت إليهم على علم بها، ولا قائل بها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت