الثلاثة. وعليه فإن التحليل والتحريم المضافين إلى الأعيان، كقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةُ [المائدة: الآية 3] فليس فيه إجمال. فإنّ كل من مارس ألفاظ العرب، واطّلع على عرف أهل اللغة لا يتبادر إلى فهمه عند قول القائل لغيره: «حرّمت عليك الطعام والشراب، والنساء» سوى تحريم الأكل والشرب من الطعاموالشراب، وتحريم وطء النساء.
والأصل في كل ما يتبادر إلى الفهم أن يكون حقيقة، إما بالوضع، وإما بعرف الاستعمال. والمراد فهم المطّلع على اللغة الممارس لألفاظ العرب، وعليه فلفظة
«حرمت» دالة على معيّن.
وكذلك قوله تعالى: وَاِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ [المائدة: الآية 6] لا إجمال فيه، فالباء هي للإلصاق، ولا يقتضي منه وجوب مسح جميع الرأس، فإن قول القائل: «به برص، أو به داء» لا يستوجب شمول البرص جميع جمسه، أو الداء، وكذلك «امسح برأسك» لا يستوجب المسح لجميع الرأس.
واستعمال العرب جار باقتضاء إلصاق المسح فقط، بغض النظر عن الكلوالبعض. ولهذا فإذا قال القائل لغيره: «امسح يدك بالمنديل» لا يفهم منه أحد من أهل اللغة أنه وجب عليه إلصاق يده بجميع المنديل، بل بالمنديل، إن شاء بكله، وإن شاء ببعضه.
وكذلك لا إجمال في قوله عليه السلام: «لا صلاة إلا بطهور» و «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» و «لا صيام لمن لم يبيّت الصيام من الليل» وأمثالها، ذلك لأن هذا كله من دلالة الاقتضاء. فالدلالة واضحة بحسب وضع اللغة، فهي من دلالة الألفاظ، لغة، بالوضع، فلا إجمال.
وكذلك آية: وَاَلسّارِقُ وَاَلسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [المائدة: الآية 38] لا إجمال فيها. فلفظ (اليد) لها دلالة معيّنة في اللغة، و (القطع) كذلك. فاليد تطلق على جملتها إلى المنكب، ويطلق عليها إلى المرفق، وعليها إلى الكوع، ولكن لفظ (القطع) متعيّن بأنه إبانة الشيء عما كان متصلا به، فإذا أضيف إلى (اليد)
وجب حمله على قطعها من الكوع، فهو الذي يجري فصله عن اليد بجملتها.
فكلمة (القطع) عيّنت المعنى المراد، فلا يكون من قبيل الإجمال.
والخلاصة أن كل ما اتضحت دلالته بإحدى دلالات اللغة، وضعا أو عرفا، أو شرعا، لا يعدّ من المجمل، فيحمل على المجاز، أو يفهم من قرينة، أو يؤخذ من دلالة اللفظ، أو من دلالة المعنى، أو غير ذلك. وما دام يمكن هذا في كل لفظ فإنه ينفى عنه الإجمال، ويحصر مدلول
«المجمل» باللفظ الذي له دلالة، ولكن دلالته غير واضحة، مثل: وَآتُوا اَلزَّكاةَ* [البقرة: الآية 43] فهو يحتاج إلى بيان.
(را: الإجمال) .