هي المصالح التي تتفق مع مقاصد الشريعة، وإنّ من أوّل مقاصدها صيانة الأركان الضرورية الخمسة وهي: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النّسل، وحفظ المال. وقد اتفقت الشرائع الإلهية على وجوب احترام هذه الأركان الخمسة وحفظها. ويتفرّع عنها مصالح أخرى يفهم العقل أنها مصلحة، فيكون كونها مصلحة بحسب تقدير العقل دليلا شرعيا، إذ كل ما يؤيّد المقاصد الشرعية، ويساعد على تحقيقها فهو مصلحة. ولا يشترط في المصلحة أنها تخالف القياس، بل قد تخالفه، وقد تكون هي الدليل الشرعي ابتداء.
والقائلون بالمصلحة المرسلة يجعلونها تخصص النصوص الشرعية غير القطعية فالذين يقولون بهذا يرون أن في قول الرسول عليه السلام: «البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر» نظرا فيما لو ادّعى أحد على آخر مالا، وعجز عن الإثبات، وطلب تحليف المدّعى عليه اليمين، فهذا فيما يرون لا يوجب عندهم تحليف المدّعى عليه إلا إذا كان بينه وبين المدعي خلطة، كيلا يتجرأ السفهاء على الفضلاء فيجرّوهم إلى المحاكم بدعاوي كاذبة. فالقائلون بالمصالح المرسلة يعتبرون أنها أصل قائم بذاته، كالكتابوالسنة إلى حدّ أنهم جعلوها تخصّص الكتاب والسنة إذا كان النص غير قطعي، وقرّروا أن الشريعة لم تأت في أحكامها إلا بما هو المصلحة. وما كان بالنص عرف به، وما لم يعرف بالنص فقد عرف طلبه بالنصوص العامة في الشريعة. فعلى اعتبارهم هذا يستطيع المجتهد بأن يحكم بأن كل عمل فيه مصلحة لا ضرر فيها أو كان النفع فيها أكبر من الضرر فهو مطلوب من غير أن يحتاج إلى شاهد خاص، وكل أمر فيه ضرر ولا مصلحة فيه، أو إثمه أكبر من نفعه فهو منهيّ عنه من غير أن يحتاج إلى نص خاص.
وقالوا: إنا وجدنا الشارع قاصدا لمصالح العباد، وإن أحكام المعاملات تدور مع المصلحة حيث دارت، فترى الشيء الواحد يمنع في حال لا تكون فيه مصلحة، فإذا كانت فيه مصلحة جاز، كالدّرهم بالدرهم إلى أجل، يمتنع في المبايعة ويجوز في القرض. وإن الشارع قصد في النصوص اتّباع المعاني لا الوقوف عند النصوص.
ودافعوا عن كون المصالح دليلا شرعيّا يؤدي هذا إلى جعل اتباع الهوى دليلا شرعيّا، فقرّروا بالنسبة لارتباط الأهواء بالمصالح أن التلازم بينهما غير ثابت، فمصالح الشرع المعتبرة المقرّرة لا تلاحظ فيها الأهواء والشهوات المجرّدة، فالمصالح المعتبرة هي التي تعتبر من حيث نظام الحياة الدنيا للحياة الآخرة لا من حيث أهواء النفوس في جلب المصالح، لأن الشريعة جاءت لتخرج المكلفين من دواعي أهوائهم، لأن اللّه