محدث أو لا؟ والنظر في الجهة هل هي القبلة أو لا؟ والمناط هو الشراب والماءوالشخص وجهة القبلة. فتحقيق كون الشراب المعيّن خمرا أو ليس بخمر، وكذلك الماء هو كونه مطلقا أو غير مطلق ليتأتى الحكم عليه بأنه يجوز الوضوء منه أو لا هو تحقيق المناط. ويرجع تحقيق المناط إلى العلوم والفنون والمعارف التي تعرّف هذا الشيء، ولذلك لا يشترط فيمن يحقّقه أن يكون مجتهدا بل يكفي أن يكون عالما بالشيء من خلال علمه بالمعارف التي تتعلق بذلك الشيء، ليتنزّل الحكم الشرعيّ على وفق ذلك المقتضى. وسواء كان الشخص العالم بهذه الأمور مجتهدا، أم كان شخصا آخر غيره يرجع إليه المجتهد لمعرفة الشيء، أم كان الذي يشرح كتابا.
فلا يشترط في تحقيق المناط ما يشترط في الاجتهاد من علم بالأمور الشرعية، وعلم بالعربية، بل يكفي فيه أن يعرف الموضوع المراد تطبيق الحكم عليه، ولو كان جاهلا كلّ الجهل في سواه، كالمحدّث العارف بأحوال الأسانيد وطرقها وصحيحها من سقيمها، وما يحتجّ به من متونها مما لا يحتج به، فهذا يعتبر علمه فيما هو متعلّق بالحديث سواء كان عالما بأمور الشريعة أم ليس كذلك، وعارفا بالعربية أم ليس كذلك؛ وكالطبيب في العلم بالأدواءوالعاهات وكالصانع في علمه بعيوب الصناعات، وكعرفاء الأسواق في معرفة قيم السّلع ومداخل العيوب فيها، وكالماسح في تقدير الأرضين ونحوها، وكعالم اللغة في معرفة اللفظة ومعناها، وكالمخترع للآلات، وكالعالم في الذّرّة، وكالخبير في علوم الفضاء، ونحو كل هذاوما أشبهه مما يعرف بواسطته مناط الحكم الشرعي، لا يشترط فيه أن يكون مجتهدا، حتى ولا أن يكون مسلما، لأن المقصود من تحقيق المناط هو الوقوف على حقيقة الشيء، وهذا لا دخل له في الاجتهاد ولا بالمعارف الشرعيّة ولا باللغة العربية، بل القصد منه محصور بأمر معين، وهو معرفة الشيء.
وتحقيق مناط الحكم، أي: الشيء المراد تطبيق الحكم عليه، أمر لا بدّ منه قبل معرفة الحكم، ولا يمكن معرفة الحكم إلا بعد تحقيق المناط. فإن كل دليل شرعي مبنيّ على مقدمتين لا بد منهما: إحداهما راجعة إلى تحقيق المناط، والأخرى ترجع إلى الحكم الشرعي. فالأولى عقليّة محضة، أي: تثبت بالفكر والتدبر. وهي ما سوى النّقليّة، والثانية نقليّة، أي: تثبت بفهم النص الشرعي الذي صحّ نقله وهو الكتاب والسّنّة والإجماع. فعلى المجتهد أن يتفهّم الحقيقة من الحادثة أو الواقعة أو الشيء الذي يريد بيان الحكم الشرعي بشأنه، وبعد أن يقف عليه ينتقل لفهم النقليات، أي: لفهم النّصّ الشرعيّ المراد استنباط الحكم منه، لتلك الحادثة أو الواقعة أو الشيء، أو لفهم الحكم