(ولو شاء الله لسلّطهم عليكم) ابتلاء منه لكم واختبارًا كما قال سبحانه: (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم) أو تمحيصًا لكم أو عقوبة بذنوبكم، ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك فألقى في قلوبهم الرعب (فلقاتلوكم) يذكر الله منّته على المسلمين بكف بأس المعاهدين [1] .
(فإن اعتزلوكم) عن قتالكم (فلم يقاتلوكم) أي لم يعترضوا لقتالكم (وألقوا إليكم السلم) أي استسلموا لكم وانقادوا (فما جعل الله لكم عليهم سبيلًا) أي طريقًا فلا يحل لكم قتلهم ولا أسرهم ولا نهب أموالهم، فهذا الاستسلام يمنع من ذلك ويحرمه، قيل هذا منسوخ بآية القتال، وقيل محكمة محمولة على المعاهدين وهذا هو الظاهر [2] .
(1) قال ابن كثير رحمه الله: ثم استثنى الله سبحانه من هؤلاء فقال: (إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق) أي: إلا الذين لجؤوا وتحيزوا إلى قوم بينكم وبينهم مهادنة، أو عقد ذمة، فاجعلوا حكمهم كحكمهم، وهذا قول السدي، وابن زيد، وابن جرير وانظر تفصيل القول في"المغني"10/ 513، و"نيل الأوطار"8/ 176.
(2) وقال ابن كثير 1/ 533: وروي ابن أبي حاتم، حدثنا أبو سلمة حدثنا حماد بن سلمة، عن علي ابن زيد بن جدعان، عن الحسن أن سراقة بن مالك المدلجي حدثهم، قال: لما ظهر يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - على أهل بدر وأحد، وأسلم من حولهم، قال سراقة: بلغني أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومي بني مدلج، فأتيته فقلت: أنشدك النعمة. فقالوا: صَهْ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - دعوه ما تريد؟ قال: بلغني أنك تريد أن تبعث إلى قومي، وأنا أريد أن توادعهم، فإن أسلم قومك أسلموا ودخلوا في الإسلام، وإن لم يسلموا، لم تخشن قلوب قومك عليهم، فأخذ رسول الله، - صلى الله عليه وسلم - بيد خالد ابن الوليد، فقال: اذهب معه فافعل ما يريد، فصالحهم خالد على أن لا يعينوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإن أسلمت قريش أسلموا، فأنزل الله (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونوا سواء فلا تتخذوا منهم أولياء) .