(وما تنقم) بكسر القاف وقرئ بفتحها، قال الأخفش هي لغة يقال نقمت الأمر أنكرته أي لست تعيب علينا وتنكر (منا) قال عطاء أي ما لنا عندك من ذنب تعذبنا عليه، وقيل ما تكره منا وما تطعن علينا وتقدح فينا (إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا) مع أن هذا هو الشرف العظيم والخير الكامل، وأصل المفاخر، ومثله لا يكون موضعًا للعيب ومكانًا للإنكار. بل هو حقيق بالثناء الحسن والاستحسان البالغ فلا نعدل عنه أصلًا طلبًا لمرضاتك، والاستثناء مفرغ.
ثم تركوا خطابه وقطعوا الكلام معه والتفتوا إلى خطاب الجناب العليّ مفوضين الأمر إليه طالبين منه عز وجل أن يثبتهم على هذه المحنة بالصبر قائلين (ربنا أفرغ علينا صبرًا) الإفراغ الصب أي أصببه كاملًا تامًا حتى يفيض علينا ويغمرنا، ولهذا أتى بلفظ التكثير يعني صبرًا وأي صبر عظيم يصب صبًا ذريعًا كما يفرغ الماء فراغًا، طلبوا أبلغ أنواع الصبر استعدادًا منهم لما سينزل بهم من العذاب من عدو الله وتوطينًا لأنفسهم على التصلب في الحق وثبوت القدم على الإيمان.
ثم قالوا (وتوفنا) إليك (مسلمين) أي ثابتين على الإسلام غير محرفين ولا مبدلين ولا مفتونين بالوعيد. ولقد كان ما هم عليه من السحر والمهارة في علمه مع كونه شرًا محضًا سببًا للفوز بالسعادة لأنهم علموا أن هذا الذي جاء به موسى خارج عن طوق البشر، وأنه من فعل الله سبحانه، فوصلوا بالشر إلى