من منذ مائة وعشرين سنة، لا يكاد يأتلف منهم قلبان، فألف الله بين قلوبهم بالايمان برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وانقلبت تلك الحالة واستجمعت كلمتهم، وزالت حمية الجاهلية، وأبدلت تلك الضغائن بالمحبة لله وفي الله، واتفقوا على الطاعة وصاروا أنصارًا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأعوانًا يقاتلون عنه ويحمونه، وهذا مما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل، وصار ذلك معجزة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ظاهرة باهرة دالة على صدقه.
وقيل أراد التأليف بين المهاجرين والأنصار، والحمل على العموم أولى، فقد كانت العرب قبل البعثة المحمدية يأكل بعضهم بعضًا ولا يحترم ماله ولا دمه حتى جاء الإسلام فصاروا يدًا واحدة، وذهب ما كان بينهم من العصبية والأنفة والحمية الجاهلية.
(لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألفت بين قلوبهم) مقررة لمضمون ما قبلها، والمعنى أن ما كان بينهم من العصبية والعداوة قد بلغ إلى حد لا يمكن دفعه بحال من الأحوال، ولو أنفق الطالب له جمِيع ما في الأرض لم يتم له طلبه من التأليف لأن أمرهم في ذلك قد تفاقم جدًا.
(ولكنّ الله ألّف بينهم) بعظيم قدرته وبديع صنعه، وفيه دليل على أن القلوب بيد الله يصرفها كيف يشاء (إنه عزيز) لا يغالبه مغالب ولا يستعصي عليه أمر من الأمور (حكيم) في تدبيره ونفوذ أمره ونهيه.
وعن ابن مسعود قال: إن هذه الآية نزلت في المتحابين في الله، وهذا يدل على أن التأليف المذكور هو بين المؤمنين الذين أيد الله بهم رسوله - صلى الله عليه وسلم - وفيه رد على الرافضة حيث اعتقدوا في الصحابة ما يخالف تأليف الله تعالى بينهم، وأخرج ابن عساكر عن أبي هريرة قال: مكتوب على العرش لا إله إلا الله أنا الله وحدي لا شريك لي محمد عبدي ورسولي أيدته بعلي [1] وذلك قوله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين والله أعلم.
(1) من أين جاء هذا لأبي هريرة وهو غيب؛ هذا لا يصح.