أن يعتقد الإنسان قلبه على ما رأى، والشيءُ إنما يتبيَّن بضدِّه، فضدُّ العلمِ الجهلُ، وضدُّ العقل الحل، فالعقدُ والعزمُ والقصدُ من صفات القلبِ نظائرُ بعضُها فوق بعضٍ، وذلك كلُّه بعد العلم؛ أي: رؤية القلب يعتقده ويقصده ويعزم عليه.
فعلي هذا كان إبليس اللعين عالمًا بالله تعالي، غيرَ معتقدٍ ولا مصدِّقٍ بقلبه، ولا [عالم] بعلمه.
ثم العلمُ أوَّلَ ما يحصل للقلب لا يخلو عن نوع اضطراب؛ لحكم الابتداء، فإذا دامت الرؤيةُ زال الاضطرابُ، فصار معرفةً لزيادة الصحة.
ثم تتنوع هذه المعرفة نوعين:
-معرفةُ الظاهر دون المعنى الباطن.
-والباطنُ الذي هو الحكمةُ، وبها يلتذُّ القلبُ إذا صار معقولًا له، فجرى منه مجرى الطبيعةِ، وهذا هو الفقهُ.
ولهذا قال أبو يوسف - رحمه الله تعالى: مرضتُ مرضًا شديدًا حتى نسيتُ كلَّ شيءٍ سوى الفقه.
واللهُ عز وجل لا يوصف بالعلم، ولا يوصف بالمعرفة والفقه؛ لأن العلم يبتدئ المعلوم للعالم، والمعرفة بعد العلم، والفقه بعد المعرفة، يصير الإنسان عالمًا، ثم عارفًا، ثم فقيهًا بعدما كان جاهلًا، ثم شاكًّا، ثم ظانًّا، وبينهما تفاوُتٌ - جلَّ الله عن ذلك وتعالى علوا كبيرًا -، ليس لعلمه الأشياءَ ابتداءٌ، وعلمُه بها في الأحوالِ سواءٌ.
ولا علمَ للمخلوق إلا عن دليلٍ، قد يكون حسيًّا، وقد يكون عقليًّا.
فالحسياتُ: ما شركتُ البهائم بني آدم في المعرفة الواقعة بها دائمًا، وإنما يفارق الآدميُّ غيرَه بما لا يُعرَف إلا بدلالات المعقول.