تعالى: وَاَلسّارِقُ وَاَلسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [المائدة: الآية 38] فإذا دخلت الفاء في أيّ جملة يترتب فيها الحكم على الوصف فإنه يفيد التعليل، سواء دخلت على الحكم أو دخلت على الوصف.
وذلك لأن الفاء وضعت في مثل هذه الصور للتسبيب فتفيد العلية. أما ورودها في اللغة بمعنى الجمع المطلق، وورودها بمعنى «ثم» في إرادة التأخير والمهلة، فإن هذا غير ظاهر فيها، علاوة على كونه يكون في حال وجود قرينة تمنع التعقيبوالتسبيب. ولهذا فالأصل فيها إفادة التعليل. والجمع والتأخير خلاف الأصل.
وذلك أن الفاء موضوعة في اللغة للترتيبوالتعقيب. ففي قوله عليه السلام: «من أحاط حائطا على أرض فهي له» يدل الترتيب على العلية، لأن الفاء هنا للتعقيب، وحينئذ يلزم أن يثبت الحكم عقيب ما رتب عليه، فيلزم سببيته للحكم.
ثانيها: ما لو حدثت واقعة فرفعت إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فحكم عقيبها بحكم، فإنه يدل على كون ما حدث علة لذلك الحكم. وذلك كما روي أن أعرابيّا جاء إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال: «هلكت وأهلكت» فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم: «ما ذا صنعت؟» فقال: «واقعت أهلي في نهار رمضان عامدا» فقال عليه السلام: «أعتق رقبة» فإنه يدل على كون الوقاع علة للعتق. وذلك لأنا نعلم أنّ الأعرابيّ إنما سأل النبي عليه السلام عن واقعة لبيان حكمها شرعا، وأن النبي عليه السلام إنما ذكر ذلك الحكم في معرض الجواب له، لا أنه ذكره ابتداء منه، لما فيه من إخلاء السؤال عن الجواب، وتأخير البيان عن وقت الحاجة، وكل ذلك وإن كان ممكنا إلا أنه خلاف الظاهر. فإذا كان ذلك جوابا عن سؤاله، فالسؤال الذي عنه الجواب يكون ذكره مقدّرا في الجواب في كلام المجيب، فيصير كأنه قال: «واقعت فكفّر» .
ثالثها: أن يذكر الشارع مع الحكم وصفا لو لم يقدّر التعليل به ما كان لذكره فائدة. ومنصب الشارع مما يتنزه عنه.
والنصوص التشريعية، عادة، يكون لكل ما يذكر فيها اعتبار تشريعي، ولذلك يعدّ
هذا النص معلّلا، ويكون الوصف علة، مثل ما إذا كان الكلام جوابا على سؤال، سواء أكان الوصف في محل السؤال، أو عدل عن محل السؤال في بيان الحكم إلى نظير لمحل السؤال. وذلك كما روي عنه عليه السلام: أنه سئل عن جواز بيع الرّطب بالتمر، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم: «أينقص الرطب إذا يبس؟» فقالوا: «نعم» فقال: «فلا، إذا» فاقتران الحكم بوصف النقصان في جوابهم أن الرطب ينقص إذا يبس لا يمكن أن يكون عبثا، ولا بد من فائدة، واقتران جواب النبي عن بيع الرطب بالفاء في قوله: «فلا، إذا» وهي من صيغ التعليل دلالة على أن النقصان علة امتناع بيع الرطب بالتمر، من ترتيبه الحكم على