الوصف بالفاء، واقترانه بحرف «إذا» . و في هذا المثال كان الوصف الذي ذكر واقعا في محل السؤال. ومثال ما إذا كان الوصف في غير محلّ السؤال، وهو أن يعدل في بيان الحكم إلى ذكر نظير لمحل السؤال.
وذلك كما روي عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه لما سألته الجارية الخثعمية وقالت: «يا رسول اللّه، إن أبي أدركته الوفاة وعليه فريضة الحج، فإن حججت عنه أ ينفعه ذلك؟» فقال صلى اللّه عليه وسلم: «أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان ينفعه ذلك؟» فقالت: «نعم» قال: «فدين اللّه أحقّ بالقضاء» . فالخثعمية إنما سألت عن الحج، والنبي عليه السلام ذكر دين الآدمي، فذكر لها نظيرا للمسؤول عنه، وليس جواب المسؤول عنه نفسه، ولكنه ذكره مرتّبا الحكم الذي سألت عنه عليه.
فاقتران الحكم بوصف، وهو الدين، لا يمكن أن يكون عبثا، بل لا بد أن يكون لفائدة. وذكر الرسول عليه الصلاة والسلام لهذا الوصف مع تريب الحكم عليه يدل على التعليل به، وإلا كان ذكره عبثا.
رابعها: أن يذكر في النص حكم أمر من الأمور، ثم يعقب على ذكره بذكر الفرقة بينه وبين أمر آخر يشمله الحكم، لو لم تذكر هذه التفرقة بينهما، كقوله عليه السلام: «لا تبيعوا البر بالبرّ» إلى قوله: «فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يدا بيد» فقد ذكر حكم بيع البر بالبر بالنهي عنه، ثم عقّب على ذلك بأنه إذا اختلف الجنسان من الحبوب كالبروالشعير فإنه يجوز. فهذه التفرقة بين الحكمين تدل على أن اتحاد الجنسين هو علة النهي عن البيع بدليل إباحته للبيع في حالة اختلافهما. وهذه التفرقة تكون في هذا النوع بألفاظ متعددة تفهم معنى التفرقة بين الأشياء. فمنها ما تكون التفرقة بلفظ الشرط والجزاء كالحديث المذكور قبلا، ومنها ما تكون فيه بالغاية، كقوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ [البقرة: الآية 222] ومنها ما تكون بالاستثناء، كقوله تعالى: فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ [البقرة: الآية 237] ومنها ما تكون بلفظ الاستدراك، كقوله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اَللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ اَلْأَيْمانَ [المائدة: الآية 89] ومنها أن يستأنف أحد الشيئين بذكر صفة من صفاته بعد ذكر الآخر، كقوله عليه السلام: «للراجل سهم وللفارس ثلاثة أسهم» .
خامسها: أن يذكر الشارع مع الحكم وصفا مفهما أنه للتعليل ومفهما وجه العلية فيه. وذلك كقوله عليه السلام: «لا يقضي القاضي وهو غضبان» فقد ذكر الشارع مع النهي عن القضاء حالة الغضب. والغضب وصف مفهم أنه للتعليل، ومفهم أنه كان علة للنهي عن القضاء لما فيه من تشويش الفكر واضطراب الحال، فدل ذلك على أن الغضب علة. وكذلك إذا قال أحد الناس: «أكرم العالم وأهن الجاهل» فإنه ذكر مع الإكرام وهو الحكم وصف مفهم أنه