هونًا. أي بالطاعة والعفاف والتواضع، وقال أيضًا: هونًا، أي: علمًا وحلمًا، والمعنى: يمشون بالسكينة والوقار، متواضعين غير أشرين، ولا مرحين ولا متكبرين؛ بل علماء حكماء، أصحاب وقار وعفة، ولذا كره بعض العلماء الركوب في الأسواق، ولقوله: ويمشي في الأسواق.
(وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا) ذكر سبحانه أنهم يتحملون ما يرد عليهم من أذى أهل الجهل والسفه، فلا يجهلون من يجهل، ولا يشافهون أهل السفه. قال النحاس: ليس هذا السلام من التسليم إنما هو من التسلم، تقول العرب: سلامًا، أي تسلمًا منك، أي: براءة منك، يعني قالوا: سلمنا سلامًا، وهذا على قول سيبويه، أو مفعول به، أي قالوا: هذا اللفظ ورجحه ابن عطية، وقال مجاهد معنى: سلامًا سدادًا، أي يقولون للجاهل، كلامًا يدفعه به برفق ولين، قال سيبويه: لم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على المشركين، لكنه على معنى قوله: تسلمًا منكم ومتاركة، لا خير ولا شر. بيننا وبينكم، قال المبرد: كان ينبغي أن يقال لم يؤمر المسلمون يومئذ بحربهم، ثم أمروا بحربهم.
وقال محمد بن يزيد المبرد: أخطأ سيبويه في هذا، وأساء العبارة. قال النحاس: ولا نعلم لسيبويه كلامًا في معنى الناسخ والمنسوخ إلا في هذه الآية، لأنه قال في آخر كلامه: فنسختها آية السيف: وأقول هكذا يكون كلام الرجل إذا تكلم في غير علمه، ومشى في غير طريقته، ولم يؤمر المسلمون بالسلام على المشركين، ولا نهوا عنه، بل أمروا بالصفح، والهجر الجميل، فلا حاجة إلى دعوى النسخ، وفي الخطيب عن أبي العالية نسختها آية القتال. ولا حاجة إلى إدعاء النسخ بها ولا غيرها، لأن الإغضاء عن السفهاء، وترك المقابلة، مستحسن في الأدب والمروءة والشريعة، وأسلم للعرض والورع.