وأصلُ القَدَرِ سِرُّ الله تعالى، لم يطَّلِعْ عليه مَلَكٌ مقرَّب، ولا نبيٌّ مرسل.
والتعمُّقُ والنظرُ في ذلك زيغة الخِذْلان، ودرجة الطغيان، وسُلَّم الحِرْمان، فالحذرَ كلَّ الحذرِ من ذلك نظرًا وفكرًا ووسوسةً؛ فإن الله تعالي طوي علمَ القدرِ عن أنامِه، ونهاهم عن مَرَامِه؛ كما قال تعالى: (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) [الأنبياء: 23] .
فالسكوتُ عنه درجةُ الراسخين في العلم؛ لأن العلم علمانِ: علمٌ في الخلق موجودٌ، وعلم عن الخلق مفقودٌ.
فادِّعاءُ علمِ المفقودِ كفرٌ، وإنكارُ علم الموجودِ كفرٌ، لا يثبت الإيمان إلا بقبولِ علمِ الموجود، وتركِ طلب علمِ المفقود.
يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلا منه، ويُضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلًا منه.
أَمَرَ عبادَهُ بطاعتِه، ونهاهم عن معصيتِه، ولم يكلف كُلًّا منهم إلا حسب طاقتِهِ، ووَفْقَ مُكْنَتِه، والعبدُ إذا لم يكن مستطيعًا لا يُكلَّف إلى شيءٍ ألبتة.
والاستطاعةُ نوعانِ: متقدمةٌ يوجب بها الفعلُ، ومقارِنةٌ يوجد بها الفعل.
فالأولى سلامةُ الآلات، وحصولُ الأسباب، والثانيةُ حقيقة القدرة التي هي نتيجة التوفيق من الله تعالي عند جهدِ العبدِ؛ كما في قوله تعالى: (أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) [هود: 18] إلى قوله: (مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ) [هود: 20] لا وعدهم، وذمَّهم لانعدام هذه الاستطاعة مع وجودِ الأسباب والآلات؛ لأنه كان انتفاءُ حقيقةِ القدرةِ بتضييعِهم لقوله تعالي: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت: 69] ؛ أي: لنوفقنهم لطريقنا، فَوَّتُوا هذه القدرةَ؛ لفوات التوفيقِ بعدم الجهدِ.
ثم الاستطاعةُ الأولى أجسامٌ متقدمةٌ إجماعًا، والثانيةُ عروضٌ مقارِنةٌ للفعلِ، لا سابقةٌ عليه؛ خلافًا للقدرية.
والقدرةُ الواحدةُ تصلح للضدَّيْنِ، فالمباشِرُ لضدِّ المأمور به شَغَلَ