فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 904

وأما المنزلة الثانية للعبد: وهي علمه بنفسه:

لما كان فقيرًا إلى الله تعالى من كل وجه وفي كل حالة، لم يتصور أن يكون له ملك مطلق، وإن كان للعبد استغناء عن غيره، فهو محتاج إلى ربه، ولقد يحتاج إليه بعض الأشياء من وجه، ويحتاج هو من كل وجه، فله بما يُحتاج إليه حظ من الملك حقير، به صح أن يسمى ملكًا، صار إليه من قبَل ربه، فكان عظيمًا لشرف الجهة التي تصيَّر إليه بها، وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى من كان له قوت ومنزل غنيًا، ومن كان له خادم ملكًا، فكان غنيًا

بحُكم استغنائه عن مفاقر عدم هذه الأعيان، وكان ملكًا لتصرفه فيها، بحكمه عليها ورفع المؤن عنه فيها، وحقيقة مجاز الملك في العباد: من تجرد عن كل رق إلا لله تعالى، واستغنى عن غيره به، ولذلك معيار ومقدمة.

أما المقدمة

فهو ملك لمملكته الخاصة، وهي ذاته، فرعيته فيها جوارحه وحواسه، وجنوده شهوته وغضبه وهواه، فإذا ملك هذه المعاني فأطاعته الرعية وتصرفت الأجناد على مقتضى أمره ولم تملكه واستولى عليها ولم تغلبه فهو ملك في ذاته، وإلى هذا المعنى وقعت الإشارة بقوله: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ} [يوسف: 101] ، أراد به في أحد الوجهين: ملكَه لنفسه حين امتنع من امرأة العزيز حال المُراودة.

وأما المعيار:

فإذا استغنى عن كل الناس واحتاج كل الناس إليه فهو الملك في الأرض خاصة، وهذه منزلة الأنبياء صلوات الله عليه، فإنهم استغنوا في الهداية عن

كل أحد إلا عن الله، واحتاج إليهم في ذلك كل أحد، ويليهم في ذلك العلماء لأنهم ورثتهم، وحظهم من المُلك بقدر حظهم من إرشاد العباد وهدايتهم واستغنائهم في ذلك عن غيرهم، ولهذه الصفات يقرُب العبد من الملائكة في المعنى، ويتوصل به إلى الملك في جنة المأوى، فيتنقل من ملك إلى ملك كما قال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا} [الإنسان: 20] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت