الإرادة ومصادرها لا بكثرتها في نفسها، فإنّ إرادة الله واحدة عقلا وسمعا باتفاق، وعلمه واحد سمعا كما تقدم.
وأمّا من قال إن الرأفة هي رحمه في غير مكروه فهو قريب من الحق.
والمختار المُستوفي للمعنى على التحقيق والتخصيص، أن الرأفة عبارة عن تعلّق الإرادة بقصد التخفيف لما على المرحوم من ثقَل، يشهد له قوله تعالى:"ولا تأخُذْكمْ بهمَا رأفةٌ في دينِ اللهِ" (النور 2) ، أي لا تأمروا، ولا ترضَوا بالتخقيق عنهما بعد أن وجب الثقل بالحدّ، وإليه يرجع القول الرابع، فإنّ فعل المكروه للمصلحة ثِقَل، وتركه تخفيف، وهي الرأفة، والباري تعالى رؤوف، بمعنى أنه خفف الثقل عن عباده في التكليف دُنْيا، وبالمغفرة في الآخرة وإسقاط الحقوق.
إذا كانت الرأفة التخفيف فكم خفّف تعالى من ثِقْل ووضع من إصر، وكم من تخفيف سعى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الأمة، ووهبه الله لنا رحمة، فلهذا كان صلى الله عليه وسلم رؤوفا، ويحق للعبد أن يكون رؤوفا بسعيه للخلق في التخفيف والتيسير.