المسألة الثانية: في تنزيل الإطلاق بين الحقيقة والمجاز فيهما
اعلموا أن إطلاقات قولنا: (الكبير) ، حيث وقعت تحتمل أن تكون حقيقة فيهما، وتحتمل أن تكون الحقيقة واحدة في بادئ الرأي، وإذا أمعنت النظر صح بعد استداده أنه حقيقة في كثرة الأجزاء، منقول إلى كبر المنزلة وعظم القدر، لما بيناه من أن كبر الأجزاء محسوس، وكبر القدر معلوم بنظر العقل، والمُشاهَد المحسوس هو الأول في العلم، والمعلوم بنظر العقل محمول عليه معلوم به كما قدمناه؛ لأن العرب لما شاهدت كبر الجثة وعبرت عنه بالكبر ثم علمت كبر المنزلة وتضاعفَها بدليل العقل حملته على الأول وعبرت به عنه.
وهذا بناء على أن اللغة متواضَعة، فلو قلنا: إنها موضوعة بالوحي والتعليم لآدم وبنيه، ففيه نظر آخر، وطريق مغاير لهذا، ولكن مآلُه إليه، ومرجعه عليه، وذلك مبيَّن في أصول الفقه، وهذه دقيقة لا يهتدي إليها الغواصون، كما أنه لا يتفطن له إلا المتحذِّقون، وهذا وإن لم نستوفِ فيه وجوهَ التقسيم فهو بيّن عند ذوي التفهيم.