فتبيّن من قوله:"قدّر فهدى"أنه علم مقادير أهل الشقاء والسعادة، ثم هدى من شاء منهم هُداه، ويُركَّب قوله قدّر مضاعفا على قوله قدَر مخففا، وكلاهما بمعنى عَلِم.
وتحقيقه أن تسمية المقدار المعلوم قَدَرا، كما يسمّى المقدور المخلوق قدرةً، والمعلوم علما، فلذلك سمّينا الفعل الصادر المتعلَّق به علم المقدار تقديرا كما بيّنّاه في ملجئة المتفقهين، فهو موضعه.
فإن قيل: فأين كلامكم مع القدرية في القدر، واختلافكم وإيّاهم فيه، وإطنابكم في شرحه وأدلّتكم عليه؟
فأما إذا قلتم: إن القدر هو العلم، فلا تخالفكم القدرية فيه، فإنهم يقولون: إن الله عالم بكل شيء، وبكلّ مقدار.
الجواب:
أنّا نقول: ليس خلافنا معهم في شيء من ذلك، وإنما خفي على علمائنا طريق معرفة الألفاظ فبَنَوا القول معهم على التسامح فيها، وإنما الخلاف بيننا وبينهم في أصل واحد، وهو أن الله خالق أعمال العباد كلّها بقدرته،