معلومةً مطّردةً استمرّت في الخالق والمخلوق، وحقيقة الغيرة فينا تغيُّرُ النَّفس بما يطرأ عليها من المحبوب، فإن كانت في المال سُمّيت بُخلًا، وإن كانت الجاه سُمّيت أَنَفةً، وإن كانت في الحريم سُمّيت غيرةً وأُبقيت على اشتقاقها، وإذا تغيّرت النفس تكلّم اللّسان وتحرّكت الجوارح بمقتضى ذلك التغيّر، فسُمّي القول في ذلك والفعل الواقع فيه غَيْرة مجازًا، لأنهما عن الغيرة يكونان، وهذا هو الذي عنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:"أتعجبون من غَيْرة سَعدٍ، أنا أغْيَر منه، والله أغير منّا"، المعنى: أنّ سعدًا إذا عاين ما يكره قال وفَعَلَ، وأنا أقول فوق ما يقول، وأفعل فوق ما يفعل، وقول الله فوق كلّ قول، وفعله فوق كلّ فعل، فأمّا قوله فتحريمه للفواحش، وأمّا فعله فهو عقوبته لأهل المعاصي بالحدود والعذاب، ولهذه الحكمة -والله أعلم- وهو كون الغيرة مجازًا وردتْ إضافتها إلى الله سبحانه، ولم تَرِد في الأسماء.
المسألة الثالثة: في تتبّع الأقوال السابقة
أما القول بأن معنى غيورٍ حليمٌ فهو ضعيف جدا، بل هو ضدّه لأنّ الحلم يقتضي الإمساك عن القول والفعل، والغَيرة تقتضي القول والفعل، فهو ضدّه.