فهرس الكتاب

الصفحة 277 من 904

المسألة الثانية: في المختار

قد بيّنّا فيما سلف أن حكم اللغة في الألفاظ متى جوّزها العقل لم تُنف، فكيف إذا ورد بها الشرع، فإن الخبير في اللغة العليم بعد الخبرة، فلا ينبغي إنكاره، فإن الشرع قد ورد به، قال تعالى:"ليبلوكم أيّكم أحسن عملًا" (هود 7) ،"وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ" (محمد 32) ، قال الناس كلهم: معناه لنختبر.

والصحيح عندي أنه سبحانه خبير بمعنى أنه عليم ابتداء بما يعلمه الخلق بعد الخبرة، كما هو عليم بالنظريات ابتداء، وإن كان الخلق لا يعلمونه إلا بعد النظر، فهو خبير من غير خبرة، عليم من غير نظر.

والنكتة فيه أن علمه لا تقترن به آفة ولا يلحقه نقص كما بيّنّاه، وإنما هو مطلق كامل، وإن كان قد ورد لفظ الابتلاء مضافا إليه في قوله:"ولنبلونّكم"، لكن يرجع هذا اللفظ، الذي يجوز معناه في الخلق ويستحيل على الله، إلى علم المشاهدة، كما قال علماؤنا.

وبيانه أن الباري تعالى عالم الغيب والشهادة؛ فيعلم الشيء قبل كونه وهو معدوم، فإذا وُجد عَلِمَه موجودا، وإذا عُدم عَلِمه معدوما، فالعلم مسترسل على أحواله الثلاث يتعلّق بها، والاختلاف يرجع إليها وهو على حاله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت