ومنهم من قال: لا، بل يتفاوتون في معرفته بحسب تفاوت درجاتهم.
ولكل قول من هذه الأقوال وجهٌ قد أوضحناه في كتاب المقسط، إلا أنا نشير هاهنا إلى الصحيح فنقول:
أما قول من قال: لا تصح معرفته لبشر؛ فإن عنى أن العارف بأن الله تعالى لا أول له مثلًا، فنظر في نفي الأولية عنه وقال: إني لا أقدِّر وجودًا له في حال إلا ووجوده سابقٌ تلك الحال، وذلك التقدير أبدًا، وهكذا دائمًا في التقدير والنظر، حتى ينقطع به النظر وتفنى التقديرات، وسبق الوجود متقدم عليه، فهذا مما لا وصول له إليه، ولا وقوف له عليه، فهذا صحيح.
وإن عنى من قال: إن معرفته تصح؛ أنك إذا قلت: لا أقدِّر الوجود للباري تعالى في حال إلا ووجوده سابق له، فهذه معرفة صحيحة كافية لا يمكن غيرها، ولا يُكلَّف سواها، فهو صحيح.
وأما من قال - بعد الإقرار بصحة المعرفة: إن الخلق يتساوون في معرفته، فإن عنى بالتساوي التساوي في العلم بوجوده تعالى وقدرته وعلمه وحياته وإرادته ونفي الأولية عنه واستحالة العدم في المستأنف وما أشبه هذا من أحوال أوصاف الإله وأسمائه فصحيح.
وإن عنى به التساوي في فصول المعرفة به وفنونها وتعلق العلم بأسمائه الحسنى، وصفاته العُلى وأفعاله وحكمته؛ وما يتعلق بذلك من أحكام العموم فيها والخصوص ومتعلقاتها، والتوصل بكل دليل إليه ونحو ذلك مما تنمي به المعرفة، ويزيد به الإيمان بزيادة المعلومات والتصديقات والمعارف والأدلة، فلا يصح التساوي فيه أبدًا.