ولا يخفى على ذي بصير أن كونه قهّارا من موجب الإلهية ومقتضى الوحدانية، لأنّه لو شاء فلم يكن، وأراد لم يَبلُغ، لَمَا كان بالغًا أمره، ولا قاهرًا لعباده، وقد نبّه على دقيقة هذا المعنى بقوله:"إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ" (المؤمنون 92) .
المسألة الثالثة: في تخصيص قوله:"وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ"
قال علماؤنا: هو إشارة إلى جهة لا يمكن دفع ما يأتي منها من العذاب والمكروه، وهي فوق، فإنّ ما يأتي يَمنةً أو يَسرةً تُمكن الحيلة فيه أو تعاطيها غالبًا، وما يأتي من جهة فوق أو تحت لا تُمكن فيه حيلةٌ ولا تعاطيها، ولذلك يُروى في الصحيح أنه لما نزل قوله:"قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ" (الأنعام 66) ، قال عليه السلام: أعوذ بوجهك، فلمّا قال: أو من تحت أرجلكم، قال عليه السلام: أعوذ بوجهك، فلما سمع قوله: أو يُلبسكم شيعًا ويذيق بعضكم بأس بعض، قال: هذان أهون وأيسر"، والحكمة فيه أنه إذا قهرهم من هذه الجهة وكانت بيده وإليه فله القهر في غيرها ممّا هو دونها، تنبيهًا من طريق الأَولى."