بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم:"رضيت فقلت أحسن ما علمت، وسخطت فقلت أقبح ما علمت"، وإن سُمّيت به العافية فلأن من كانت عاقبته عافية أثنى عليها، وكذلك إذا غضّت المرأة طَرْفها سلمت دنيا وآخرة، فحمِدَت أمرها في ذلك، أي أثنت عليها، فرجع الحمد إلى الثناء على اختلاف أنواعه، وصحّ أن تسمية الرضى والاختيار والسلامة والعافية حمدًا لأنه يُمر الحمد ويُنتجه، فسُمّي مَجازًا به، والله أعلم.
المسألة الثانية: في تركيب الاعتقاد على المعنى
إذا كان الحميد هو الحامد فذلك في قول علمائنا على وجهين:
أحدهما: هو حمد الله لنفسه وثناؤه عليها بما هو له أهلٌ؛
الثاني: حمده لعباده وثناؤه عليهم، قال الجنيد لمّا سمع قوله تعالى:"إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ" (ص 43) ، قال: أعطى وأثنى.
وإن كان حميدا بمعنى محمود، فإن الخلق يحمدونه بأجمعهم، ناطقهم وصامتُهم، حيُّهم وميّتهم، مؤمنهم وكافرهم، في الدنيا والآخرة، في كلّ مقامٍ وزمان، وعلى كل فعل، وفي كل حال، إلّا أهل النار، فإنهم فاتَهُم الحمد وحيلَ بينهم وبينه، قال سبحانه مُبيّنا لذلك:"وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ" (الإسراء 44) .
وأمّا الناطق فتسبيحه تسبيح مقالةٍ، والصامت تسبيحه تسبيحُ عِبرةٍ ودلالةٍ، والمؤمن تسبيحه بالمقال والحال، والكافر تسبيحه بالحال.